
وقّعت المملكة العربية السعودية، ممثلة بالصندوق السعودي للتنمية (SFD)، مذكرة تفاهم بقيمة 10 ملايين دولار أمريكي لدعم توفير المياه الآمنة والمستدامة للمجتمعات المتضررة من النزاعات في جمهورية السودان الشقيقة. جرى التوقيع في مقر البعثة الدائمة للمملكة لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بجنيف، بحضور الرئيس التنفيذي للصندوق السعودي للتنمية، سلطان بن عبدالرحمن المرشد، والمفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الدكتور برهم صالح، والسفير المندوب الدائم لجمهورية السودان لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في جنيف، حسن حامد حسن، بالإضافة إلى المندوب الدائم للمملكة السفير عبدالمحسن بن خثيلة.
تهدف هذه المنحة الحيوية إلى إعادة تأهيل وتوسعة شبكات المياه الرئيسية في السودان، مع التركيز بشكل خاص على تحسين نظام الإمدادات من مياه النيل في العاصمة الخرطوم. يشمل المشروع أيضاً تأهيل وتشغيل هذه الشبكات باستخدام الطاقة الشمسية، مما يضمن استدامة بيئية وتشغيلية. كما تسعى المذكرة إلى تعزيز القدرات التقنية المحلية ومشاركة المجتمع لضمان استمرارية المشروع وفعاليته، وتسهيل الوصول إلى المياه النظيفة، والحد من مخاطر الأمراض والأوبئة المرتبطة بالمياه الملوثة، وبالتالي تعزيز الصحة العامة ورفع مستوى صمود البنية التحتية للمياه أمام التحديات البيئية المتزايدة.
يأتي هذا الدعم السعودي في وقت حرج يواجه فيه السودان تحديات إنسانية وتنموية جسيمة، تفاقمت بفعل النزاعات الداخلية والكوارث الطبيعية. لطالما كانت قضية توفير المياه النظيفة والصرف الصحي تحدياً كبيراً في السودان، حيث يعاني ملايين الأشخاص من نقص الوصول إلى مصادر مياه آمنة، خاصة في المناطق المتأثرة بالنزاعات التي تشهد نزوحاً داخلياً واسع النطاق. يؤدي هذا النقص إلى تفشي الأمراض المنقولة بالمياه مثل الكوليرا والإسهال، مما يثقل كاهل النظام الصحي الهش ويزيد من معاناة السكان، وخاصة الأطفال والنساء. إن توفير المياه الآمنة ليس مجرد خدمة أساسية، بل هو ركيزة للصحة العامة، والكرامة الإنسانية، والاستقرار المجتمعي.
تؤكد هذه المبادرة التزام المملكة العربية السعودية الراسخ بدعم الأشقاء في السودان، وتجسد دورها الريادي كشريك تنموي وإنساني رئيسي في المنطقة والعالم. للمملكة تاريخ طويل في تقديم المساعدات الإنمائية والإنسانية للدول النامية، لا سيما في أفريقيا والشرق الأوسط، من خلال الصندوق السعودي للتنمية الذي تأسس عام 1974. يركز الصندوق على تمويل مشاريع البنية التحتية الحيوية التي تساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، بما في ذلك الهدف السادس المتعلق بالمياه النظيفة والصرف الصحي. هذا الدعم ليس مجرد استجابة طارئة، بل هو استثمار في مستقبل السودان وقدرته على التعافي والبناء.
خلال مراسم التوقيع، أكد الرئيس التنفيذي للصندوق السعودي للتنمية، سلطان بن عبدالرحمن المرشد، على الجهود المتواصلة للمملكة من خلال الصندوق في دعم جمهورية السودان الشقيقة للوصول إلى مياه آمنة وصالحة للشرب، مشدداً على أن المياه تُعد ركيزة أساسية للصحة وجودة الحياة. وأشار المرشد إلى أن هذه المنحة، التي تأتي بالشراكة مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ستسهم بشكل فعال في تعزيز البنية التحتية لقطاع المياه في السودان، وتقديم حلول مستدامة تلبي الاحتياجات العاجلة وتدعم التنمية على المدى الطويل.
من جانبه، صرح المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الدكتور برهم صالح، بأن “عندما يتمكن الأفراد من الوصول إلى الخدمات الأساسية، يمكنهم الاستقرار وقدرتهم على المضي قدماً”. وأضاف أن هذا الدعم المالي السخي لا يلبي الاحتياجات العاجلة للمياه فحسب، بل يعزز أيضاً القدرة على الصمود والاعتماد على الذات لدى الأشخاص في مناطق النزاع، ويطوّر الأنظمة الحيوية التي تعتمد عليها المجتمعات. وشدد على أن الحلول المستدامة تتطلب شراكات قوية ومستمرة، وهو ما تجسده هذه المذكرة.
على الصعيد المحلي، سيحدث هذا المشروع تحولاً جذرياً في حياة آلاف السودانيين، من خلال توفير مياه شرب آمنة تقلل من معدلات الأمراض وتزيد من الإنتاجية، خاصة في المناطق المتضررة من النزاعات حيث تكون النساء والأطفال هم الأكثر تضرراً من ندرة المياه. إقليمياً، يعزز هذا الدعم الاستقرار من خلال معالجة أحد الأسباب الجذرية للنزوح والاضطرابات، ويؤكد على دور المملكة العربية السعودية كقوة إيجابية في المنطقة. وعلى الصعيد الدولي، يمثل هذا التعاون نموذجاً للشراكات الفعالة بين الدول المانحة والمنظمات الدولية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، ويبرز أهمية التضامن العالمي في مواجهة التحديات الإنسانية المشتركة. كما أن استخدام الطاقة الشمسية في تشغيل الشبكات يضيف بعداً بيئياً مهماً، مما يساهم في تقليل البصمة الكربونية ويعزز الاستدامة على المدى الطويل.
تأتي هذه المذكرة ضمن إطار الجهود التنموية الشاملة للمملكة العربية السعودية، والتي تهدف إلى التخفيف من المعاناة الإنسانية والحد من مخاطر الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة. كما تسعى هذه الجهود إلى دعم الصحة المجتمعية ومساندة المجتمعات الأكثر احتياجاً، وتمكينها من الوصول إلى الخدمات الأساسية التي تعيد الكرامة وتحسن جودة الحياة في السودان.
تجدر الإشارة إلى أن العلاقة التنموية بين الصندوق السعودي للتنمية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تمتد لأكثر من عشرة أعوام، أسهم الصندوق خلالها في تمويل 18 مشروعاً تنموياً في ثماني دول نامية، بقيمة تجاوزت 85 مليون دولار أمريكي، استفاد منها أكثر من خمسة ملايين مستفيد. يجسّد هذا التعاون طويل الأمد الأهداف التنموية المشتركة في مجالات التنمية المستدامة، ويؤكد على فعالية الشراكات الدولية في إحداث تأثير إيجابي ومستدام.


