spot_img

ذات صلة

وفاة مكصد الحلي: رحيل قامة الغناء الريفي العراقي

أعلنت نقابة الفنانين العراقيين، أمس الأربعاء، وفاة الفنان القدير مكصد الحلي عن عمر يناهز 71 عاماً، بعد صراع طويل مع مرض عضال أثر على حنجرته، تاركاً خلفه إرثاً فنياً غنياً ومسيرة حافلة بالعطاء والإبداع في سماء الفن العراقي.

وفي بيان مؤثر نشرته عبر حسابها الرسمي على «فيسبوك»، نعت النقابة الفقيد بكلمات تعبر عن عمق الحزن والتقدير لمسيرته الفنية، داعيةً المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته ويلهم أهله ومحبيه وزملائه الصبر والسلوان. هذا النعي يعكس مكانة الحلي الرفيعة في قلوب زملائه وجمهوره على حد سواء، ويؤكد على الخسارة الكبيرة التي مني بها الوسط الفني العراقي برحيله.

وكان الفنان الراحل قد عانى من تدهور صحي حاد في أيامه الأخيرة، مما استدعى نقله إلى مستشفى مدينة الطب في بغداد وإدخاله إلى قسم العناية المركزة، حيث لفظ أنفاسه الأخيرة بعد مسيرة فنية امتدت لعقود طويلة، قدم خلالها الكثير من الأعمال الخالدة التي رسخت اسمه في ذاكرة الأغنية العراقية.

ولد المطرب العراقي مكصد الحلي في قرية عنانة بمحافظة الحلة، وهي منطقة غنية بالتراث الفني والثقافي العراقي الأصيل، مما شكل بيئته الأولى التي غذت موهبته الفطرية وشغفه بالموسيقى. بدأ مسيرته الفنية مبكراً، وشارك في برامج الإذاعة والتلفزيون العراقية، ليصبح صوتاً مألوفاً وقريباً من وجدان الجمهور العراقي. اشتهر الحلي بشكل خاص بالغناء الريفي الشعبي، الذي أتقنه بصوته القوي والمميز والفريد، والذي كان يحمل في طياته أصالة الريف العراقي وعمق مشاعره، مما جعله واحداً من أبرز أيقونات هذا اللون الغنائي.

يُعد الغناء الريفي الشعبي جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية العراقية، ويعكس حياة الناس في الأرياف، آمالهم وآلامهم، أفراحهم وأحزانهم. وقد كان مكصد الحلي أحد أبرز حراس هذا التراث، حيث لم يكتفِ بتقديمه، بل ساهم في الحفاظ عليه وتطويره، ونقله إلى أجيال جديدة عبر أعماله الفنية المميزة. أغانيه لم تكن مجرد ألحان وكلمات، بل كانت قصصاً تروي حكايات الأرض والإنسان، وتجسد الروح العراقية الأصيلة، مما أكسبه احترام وتقدير النقاد والجمهور على حد سواء.

لقد ترك الفنان الراحل أثراً كبيراً في الوسط الفني المحلي، وبات اسمه مرادفاً للأصالة والإبداع في الغناء الريفي. رحيله يمثل خسارة فادحة للساحة الفنية العراقية، التي تفقد برحيله قامة فنية كبيرة، وصوتاً أصيلاً لطالما أمتع الجماهير وأثرى الذاكرة الفنية للبلاد. سيظل إرثه الفني خالداً، وستبقى أغانيه تتردد في الأثير، شاهداً على مسيرة فنان وهب حياته للفن والوطن، ومثالاً يحتذى به للأجيال القادمة في الحفاظ على التراث الثقافي العراقي الغني.

في ظل الظروف الصعبة التي مرت بها العراق على مر العقود، كان الفنانون العراقيون، ومنهم مكصد الحلي، بمثابة منارات ثقافية حافظت على الروح الوطنية والهوية الفنية. لقد واجهوا تحديات جمة، لكنهم استمروا في العطاء، مؤكدين على قوة الفن في تجاوز المحن. إن رحيل فنان بحجم الحلي يذكرنا بأهمية دعم الفن والفنانين للحفاظ على التراث الثقافي للأمة، وضمان استمرارية هذا الإرث للأجيال القادمة.

spot_imgspot_img