
في اللحظة التي تتعالى فيها داخل غرف الولادة صرخات المواليد الجدد، يعلو هنا صراخ مختلف؛ صراخ أم تضع مولوداً جاء إلى الحياة صامتاً، لأن نموه لم يكتمل بعد. مواليد يخرجون إلى الدنيا قبل أوانهم، فتتلقفهم وحدات العناية المركزة كأحضان بديلة عن أحضان أمهاتهم، وتتحول فيها الأجهزة إلى رئة اصطناعية تمنحهم الهواء، وتغدو الأضواء الزرقاء شمساً صغيرة تعوض دفئاً لم يكمله الحمل. هذه هي حكاية المواليد الخدج، قصة تحدٍ طبي وإنساني عميق، تتجلى فيها أروع صور الصمود والأمل.
رحلة تاريخية: من التحدي إلى الإنجاز الطبي
لطالما شكلت الولادة المبكرة تحدياً هائلاً للبشرية عبر العصور. ففي الماضي غير البعيد، كانت فرص نجاة المواليد الخدج ضئيلة للغاية، حيث كانت الرعاية الطبية محدودة، والتقنيات غير كافية لدعم هذه الأرواح الهشة. لكن مع التقدم العلمي المذهل في القرن العشرين، شهد طب حديثي الولادة ثورة حقيقية. فمن اختراع الحاضنات الأولى في أواخر القرن التاسع عشر، إلى تطوير أجهزة التنفس الصناعي المتطورة، وتقنيات التغذية الوريدية، والعلاجات الدوائية المبتكرة التي تساعد على نضوج الرئتين، تحولت وحدات العناية المركزة لحديثي الولادة (NICU) إلى قلاع للأمل، قادرة على إنقاذ حياة أطفال ولدوا بأوزان لا تتجاوز بضع مئات من الجرامات.
هذا التطور لم يكن مجرد إنجاز تقني، بل هو انعكاس لتفاني الأطباء والممرضين والباحثين الذين كرسوا جهودهم لفهم احتياجات هؤلاء الصغار المعقدة وتوفير أفضل رعاية ممكنة لهم. اليوم، أصبحت وحدات العناية المركزة لحديثي الولادة مراكز متخصصة تضم فرقاً طبية متعددة التخصصات، تعمل على مدار الساعة لتقديم الدعم الحيوي، من تنظيم درجة حرارة الجسم والتنفس، إلى التغذية الدقيقة ومكافحة العدوى، كل ذلك في بيئة تحاكي قدر الإمكان دفء رحم الأم.
دعاء لا يهدأ وقلوب عالقة
خلف زجاج الحضانة، تقف أم بعيون زائغة ودمعة عالقة، تتشبث بالحياة من أجل وليدها، وإلى جوارها يقف الأب في زاوية بعيدة، يحاول جمع شتات قوته، فيما قلبه يرتجف خوفاً على مولوده الذي جاء بلا صرخة كبقية الأطفال. هذه اللحظات العصيبة تمثل اختباراً حقيقياً لصبر الوالدين وقوتهما النفسية، حيث يواجهان مزيجاً من القلق والأمل، مترقبين كل إشارة تحسن في حالة صغيرهما.
وتمضي الأيام والأسابيع، والوالدان لا ينقطعان عن زيارة الحضانة. دعاؤهما لا يهدأ، وقلوبهما معلقة بلحظة طال انتظارها؛ لحظة احتضان صغيرهما كما يفعل بقية الآباء. هذه الرحلة الطويلة تتطلب دعماً نفسياً واجتماعياً كبيراً للأسرة، لمساعدتهم على تجاوز هذه الفترة الحرجة، وفهم طبيعة الرعاية المعقدة التي يتلقاها طفلهم.
الولادة المبكرة: تحدٍ صحي عالمي ومحلي
الولادة المبكرة واحدة من أبرز التحديات الصحية عالمياً؛ فبحسب تقارير منظمة الصحة العالمية، يولد ملايين الأطفال سنوياً قبل أوانهم، وتعد الولادة الخدج السبب الأول لوفيات حديثي الولادة، وتشير المنظمة إلى أن عام 2020م، شهد ولادة 13.4 مليون طفل قبل الأسبوع السابع والثلاثين من الحمل، فيما شهد عام 2019م، وفاة 900 ألف طفل خديج لم يكتمل نموهم. هذه الأرقام الصادمة تسلط الضوء على حجم المشكلة وتأثيرها العميق على الصحة العامة والتنمية البشرية في جميع أنحاء العالم.
على الصعيد المحلي، ورغم عدم توفر إحصاءات رسمية لعدد المواليد الخدج في السعودية لعام 2024م، تشير تقديرات إلى أن أكثر من 60 ألف طفل خديج يولدون سنوياً في المملكة. هذا العدد الكبير يستدعي اهتماماً خاصاً وتكثيفاً للجهود الوقائية والعلاجية. ولتقليل مخاطر الولادة المبكرة، تعمل القطاعات الصحية في المملكة العربية السعودية بجد على توعية الأمهات بأهمية متابعة الحمل المنتظمة، خصوصاً لمن يعانين من أمراض مزمنة كالضغط والسكري، أو من يحملن بتوأم، وهي عوامل تزيد احتمالية الولادة المبكرة بشكل ملحوظ. كما تركز الحملات التوعوية على أهمية التغذية السليمة، وتجنب العادات الضارة مثل التدخين، والتعامل مع الضغوط النفسية خلال فترة الحمل.
من هو الخديج؟ وما هي أسباب الولادة المبكرة؟
أوضحت استشارية الأطفال والعناية المركزة لحديثي الولادة الدكتورة مريم النويمي لـ«عكاظ»، أن الطفل الخديج هو كل مولود قبل الأسبوع السابع والثلاثين من الحمل. وتتنوع أسباب الولادة المبكرة بين الالتهابات غير المعالجة، والحمل المتعدد، وانفصال المشيمة، والنزيف، إضافة إلى الحالات التي يشكل استمرار الحمل فيها خطراً على الأم أو الجنين، مثل ارتفاع ضغط الدم الشديد أو عدم انتظام السكري، ما يستدعي أحياناً إنهاء الحمل جراحياً حفاظاً على سلامة الأم.
وأضافت الدكتورة النويمي أن الضغوط النفسية، والتدخين، وارتخاء عنق الرحم، وتعدد الولادات المتقاربة والتشوهات الخلقية في الرحم، جميعها عوامل قد تسهم في حدوث الولادة المبكرة، مؤكدة أن بعض الحالات تحدث دون سبب واضح وقد تتكرر في أحمال لاحقة، كما أشارت إلى وجود مكون وراثي ملحوظ، إذ تظهر الدراسات أن 30–40% من الحالات لها تاريخ عائلي من جهة الأم. فهم هذه الأسباب يساعد الأطباء على تحديد النساء الأكثر عرضة للخطر وتقديم الرعاية الوقائية اللازمة.
فرص البقاء والتحديات المستقبلية: 90% يعيشون طبيعياً
رغم التحديات التي قد تواجه الطاقم الطبي المختص، تؤكد استشارية الأطفال الدكتورة النويمي أن فرص بقاء المواليد الخدج اليوم مرتفعة، تصل إلى 80–90% بفضل التطور الطبي وأجهزة الدعم التنفسي الحديثة، مؤكدة أن معظمهم يعيشون حياة طبيعية، وإن كانت التحديات الصحية التي يواجهونها في البداية تتمثل في ضعف المناعة والتغذية، وقد تظهر لاحقاً مشكلات تنفسية أو صعوبات تعلم في الحالات الشديدة. هذا التحسن الكبير في معدلات البقاء على قيد الحياة يعكس التقدم الهائل في طب حديثي الولادة.
لكن رحلة الخديج لا تنتهي بمغادرة المستشفى. فالمتابعة الدورية مع أطباء متخصصين في النمو والتطور العصبي ضرورية لضمان اكتشاف أي مشكلات محتملة في وقت مبكر والتعامل معها بفعالية. برامج التدخل المبكر، مثل العلاج الطبيعي والعلاج الوظيفي وعلاج النطق، تلعب دوراً حاسماً في مساعدة هؤلاء الأطفال على اللحاق بأقرانهم وتحقيق أقصى إمكاناتهم التنموية.
وشددت استشارية حديثي الولادة الدكتورة النويمي، على أن حليب الأم يمثل حجر الأساس في رعاية المولود الخديج، لسهولة هضمه وغناه بالأجسام المضادة التي توفر حماية حيوية ضد العدوى، وتساهم في نمو الجهاز الهضمي غير المكتمل. مشيرة إلى أن الأطفال الذين يتغذون على حليب أمهاتهم تقل لديهم معدلات التنويم خلال العامين الأولين بعد الخروج من العناية المركزة، مما يؤكد على أهميته القصوى في تعزيز صحة الخدج على المدى الطويل.
قصص من الحضانات: شهادات على الصمود والإنجاز
من واقع الخبرة السريرية، استعرض استشاري العناية المركزة لحديثي الولادة الدكتور عبدالعزيز الشيخ، حالتين تجسدان حجم التطور الطبي والجهود المبذولة. الأولى لسيدة أنجبت أربعة توائم بعمر 24 أسبوعاً وبأوزان بين 500 و540 جراماً، مكثوا ثلاثة أشهر في العناية المركزة قبل خروجهم بصحة جيدة، وهم اليوم بعمر عامين بنمو طبيعي، مما يعد إنجازاً طبياً لافتاً. أما الحالة الثانية فكانت لسيدة تبلغ 43 عاماً حملت بعد تأخر إنجاب دام أكثر من 20 عاماً، ووضعت طفلاً بعمر 26 أسبوعاً ووزن 670 جراماً، خرج لاحقاً بصحة جيدة، ليثبت أن الأمل لا ينقطع حتى في أصعب الظروف.
المواليد الخدج: حكايات شخصية عن التحدي والنجاح
يروي بعض الذين قدموا إلى هذه الدنيا (خدّجاً) قصصهم، ويقول علي المحمودي: ولدت خديجاً قبل 23 عاماً، وعرفت تفاصيل ولادتي من أسرتي. ورغم بعض الصعوبات الصحية البسيطة التي عانى منها في طفولته، إلا أن حياته اليوم طبيعية تماماً، يمارس عمله ونشاطه اليومي، ويؤكد أنه لا يشعر بأي اختلاف عن غيره، موجهاً رسالة شكر وعرفان لوالديه على صبرهما وتفانيهما عند ولادته، ومؤكداً أن الدعم الأسري كان له الأثر الأكبر في رحلته.
اختبار طويل للصبر: تجارب الأمهات مع أطفالهن الخدج
تروي منال الشهري تجربتها مع طفلتها التي ولدت في الشهر السابع وبقيت في العناية المركزة ثلاثة أشهر، قائلة: إن الالتزام بتعليمات الفريق الطبي والمتابعة الدقيقة لحالة طفلتها، كانت عوامل أساسية في تجاوز المرحلة. واليوم تعيش طفلتها حياة طبيعية دون عوائق، مما يبرهن على أهمية التعاون بين الأسرة والفريق الطبي.
وتروي سمر محمد تجربتها مع طفلتها الخديجة، واصفة تلك المرحلة بأنها «اختبار طويل للصبر والثقة»، مؤكدة أن الدعم النفسي والتواجد المستمر كانا عنصرين مهمين في رحلة العلاج، وأن طفلتها اليوم تنمو بشكل طبيعي دون آثار طويلة المدى، لتصبح قصة نجاح تضاف إلى سجلات الحضانات.
أما فاطمة سامر، فتصف رحلتها بأنها امتدت لسنوات بعد الخروج من المستشفى، إذ عانت طفلتها من مشكلات تنفسية متكررة تطلبت متابعة دقيقة. ورغم الصعوبات، شهدت الحالة تحسناً تدريجياً، وتعيش الطفلة اليوم حياة مستقرة، مؤكدة أن الصبر والمتابعة الطبية المستمرة كانا مفتاح تجاوز تلك المرحلة الصعبة، وأن الأمل لا يجب أن يفارق قلوب الأمهات.
خاتمة: مستقبل مشرق بفضل الرعاية المتكاملة
إن قصص المواليد الخدج هي شهادة حية على قدرة الإنسان على الصمود، وعلى الإنجازات المذهلة للطب الحديث. فبينما لا تزال الولادة المبكرة تشكل تحدياً عالمياً، فإن الوعي المتزايد، والتقدم في الرعاية الطبية، والدعم المتكامل للأسر، يفتح آفاقاً أوسع لمستقبل أفضل لهؤلاء الصغار. إن كل طفل خديج ينجو وينمو هو قصة أمل، تذكرنا بأهمية الاستثمار في صحة الأم والطفل، ومواصلة البحث العلمي لضمان أن يجد كل مولود، مهما جاء مبكراً، فرصة كاملة للحياة والازدهار.


