المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة في قطاع غزة، التي طال انتظارها، لا تزال معلقة على حبل من التوترات السياسية والمساومات المعقدة، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية والسياسية المستمرة. لم يكن إعلان إسرائيل عن استعادة جثة آخر أسير إسرائيلي من قطاع غزة مجرد حدث منفصل، بل شكل اختباراً سياسياً مباشراً لقدرة الأطراف على الانتقال من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب. هذا التطور، الذي جاء في توقيت بالغ الحساسية، يتقاطع فيه حسابات حكومة بنيامين نتنياهو الداخلية مع حدود الضغط الأمريكي المتزايد، ومحاولات إسرائيلية متواصلة لإعادة تعريف الاتفاق من مسار ملزم إلى إطار قابل للتأجيل وإعادة التفسير، مما يلقي بظلال من الشك على مستقبل أي حل مستدام.
السياق التاريخي والجيوسياسي للنزاع
لفهم تعقيدات المرحلة الثانية من الهدنة، لا بد من استعراض السياق الأوسع للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، الذي يمتد لعقود طويلة ويتسم بديناميكيات معقدة من الاحتلال والمقاومة. الحرب الأخيرة على غزة، التي اندلعت في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر، ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المواجهات الدامية. لطالما كانت غزة، القطاع الساحلي الصغير المكتظ بالسكان، نقطة محورية في هذا الصراع، وشهدت عدة جولات من التصعيد العسكري والحصار الذي أدى إلى تدهور كارثي في الظروف الإنسانية. اتفاقات الهدنة السابقة، وإن كانت قد وفرت فترات قصيرة من الهدوء، إلا أنها نادراً ما أدت إلى حلول سياسية جذرية، مما يترك الباب مفتوحاً أمام تجدد العنف. هذا التاريخ من عدم الثقة والالتزامات غير المكتملة يشكل خلفية مهمة للمفاوضات الحالية، حيث ينظر كل طرف إلى الاتفاقات بعين الشك والحذر، محاولاً تحقيق أقصى مكاسبه السياسية والأمنية.
تثبيت موقع نتنياهو وأجندته السياسية
منذ اللحظة الأولى، تعامل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع حدث استعادة الجثة بوصفه أداة سياسية بامتياز، لا استحقاقاً تفاوضياً محضاً. فقد جرى تقديم استعادة الجثة كـ«إنجاز أمني» بارز، في محاولة واضحة لفصلها عن سياق الاتفاق الأوسع وإدراجها ضمن سردية تحقيق أهداف الحرب المعلنة. هذا الخطاب لم يكن موجهاً للخارج بقدر ما كان رسالة داخلية قوية تهدف إلى تثبيت موقع نتنياهو داخل ائتلافه اليميني المتشدد، والتأكيد أن الحكومة لا تنتقل بين مراحل الاتفاق استجابةً لضغوط أمريكية أو دولية، بل وفقاً لحساباتها الاستراتيجية والسياسية الخاصة. هذا التكتيك يخدم أجندة نتنياهو في الحفاظ على تماسك ائتلافه الهش، الذي يضم قوى يمينية متطرفة تعارض أي تنازلات للفلسطينيين.
غير أن المعطيات المتاحة تؤكد أن ملف الجثة لم يكن العقبة الفعلية أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية؛ لأن معلومات أساسية حول مكانها كانت متوافرة منذ أسابيع. هذا يشير بوضوح إلى أن تأخير الاستعادة ارتبط بحسابات سياسية دقيقة، وتحديداً بملف معبر رفح الحدودي. وعليه، استخدم هذا الملف كورقة تعطيل مؤقتة، قبل الانتقال إلى ذرائع أكثر اتساعاً وتعقيداً، مثل المطالبة بنزع سلاح حماس أو فرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد، مما يعكس استراتيجية إسرائيلية واضحة للمماطلة وتغيير شروط الاتفاق الأصلي.
مساومة وتفاوض مفتوح: معبر رفح كنموذج
يتضح هذا النهج في الكيفية التي أُعلن فيها عن فتح معبر رفح لاحقاً، حيث جرى توصيف الخطوة بأنها فتح «محدود» وتحت «آلية إشراف إسرائيلية كاملة». وبدلاً من تنفيذ واضح لبنود المرحلة الأولى، كما نص عليها اتفاق وقف الحرب، جرى تفريغ الاستحقاق من مضمونه وتحويل فتح المعبر إلى إجراء مشروط يعيد إنتاج السيطرة الإسرائيلية بصيغة مختلفة. هذا التلاعب بمصطلحات الاتفاق يهدف إلى إبقاء السيطرة الأمنية والإدارية في يد إسرائيل، حتى في ظل أي ترتيبات مستقبلية، مما يقوض فعالية الهدنة في التخفيف من الحصار المفروض على غزة.
في جوهرها، تنظر حكومة نتنياهو إلى الاتفاق باعتباره مساحة تفاوض مفتوحة لا مساراً مرحلياً ملزماً. فالمرحلة الثانية، وفق هذه الرؤية، لا تبدأ تلقائياً بانتهاء الأولى، بل تخضع لإعادة تقييم سياسية وأمنية شاملة. ومن هذا المنطلق، جاء الدفع السريع نحو إدخال ملفات جديدة إلى جدول الأعمال؛ وفي مقدمتها نزع سلاح حماس بشكل كامل، وربط إعادة الإعمار بترتيبات أمنية طويلة الأمد تضمن السيطرة الإسرائيلية، بما يحول المرحلة الثانية إلى ساحة مساومة لا إلى استحقاق تنفيذي يهدف إلى إنهاء الصراع أو تخفيف معاناة السكان.
أهمية الهدنة وتأثيرها المتوقع
تكتسب المرحلة الثانية من الهدنة أهمية قصوى على مستويات متعددة. على الصعيد الإنساني، يمثل الانتقال الفعلي إلى هذه المرحلة بصيغتها الكاملة أملاً وحيداً لملايين الفلسطينيين في غزة، الذين يواجهون كارثة إنسانية غير مسبوقة. ففتح المعابر بشكل كامل، وزيادة تدفق المساعدات، وتوفير المأوى والرعاية الصحية، هي أمور حيوية لبقاء السكان. أي تأخير أو تعطيل لهذه المرحلة يعني تفاقم المعاناة الإنسانية، وزيادة خطر المجاعة والأمراض، وتدمير ما تبقى من البنية التحتية المدنية.
أما على الصعيد السياسي، فإن نجاح المرحلة الثانية يمكن أن يفتح الباب أمام مفاوضات أوسع حول مستقبل غزة، وربما حتى مسار سياسي شامل للصراع. محلياً، يمكن أن يخفف الضغط على حكومة نتنياهو من قبل عائلات الأسرى، ويوفر بعض الاستقرار الداخلي. إقليمياً، يمكن أن يقلل من حدة التوترات ويمنع اتساع دائرة الصراع لتشمل أطرافاً أخرى، مما يهدد الأمن الإقليمي برمته. دولياً، يمثل هذا الاتفاق اختباراً لمصداقية المجتمع الدولي وقدرته على فرض القانون الدولي وحماية المدنيين، كما أنه يؤثر على صورة الولايات المتحدة كلاعب رئيسي في المنطقة.
الموقف الأمريكي والضغوط الدولية
على الجانب الأمريكي، يبدو الموقف متردداً بين الضغط والاحتواء. فقد مارست واشنطن ضغوطاً واضحة لدفع إسرائيل إلى استعادة الجثة وفتح معبر رفح، لكنها في الوقت نفسه قبلت بصيغة لا تتوافق تماماً مع نصوص الاتفاق ولا تحقق أهدافه العملية بشكل كامل. هذا التردد يعكس سياسة أمريكية تقوم على منع انهيار الاتفاق بشكل كامل، في ظل إدراك الإدارة الأمريكية أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، بقيادة نتنياهو، غير مستعدة لاتخاذ قرار سياسي حاسم من هذا الحجم قد يهدد ائتلافها. هذا الموقف يضع الولايات المتحدة في موقف حرج، حيث تُتهم بعدم ممارسة ضغط كافٍ على إسرائيل لضمان تطبيق الاتفاقات، مما يقلل من نفوذها ومصداقيتها على الساحة الدولية.
تضاف إلى ذلك الضغوط الدولية المتزايدة من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمات حقوق الإنسان، التي تطالب بوقف فوري لإطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية. هذه الضغوط، وإن كانت لا تترجم دائماً إلى إجراءات حاسمة، إلا أنها تساهم في تشكيل الرأي العام العالمي وتزيد من عزلة إسرائيل على الساحة الدولية.

سيناريوهات المرحلة الثانية: مسارات محفوفة بالمخاطر
في ضوء هذا المشهد المعقد، يبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة لمسار المرحلة الثانية، كل منها يحمل في طياته تحديات ومخاطر كبيرة:
- السيناريو الأول: الانتقال الشكلي. في هذا السيناريو، تعلن إسرائيل التزامها المبدئي بالمرحلة الثانية، من دون ترجمة ذلك إلى خطوات تنفيذية واضحة على الأرض. ستبقى البنود الجوهرية معلقة عبر ذرائع أمنية وإجرائية مختلفة. هذا السيناريو يسمح بالحفاظ على الاتفاق قائماً شكلياً أمام المجتمع الدولي، مع تعطيله فعلياً على الأرض، مما يطيل أمد الأزمة الإنسانية والسياسية.
- السيناريو الثاني: الانتقال المشروط (الأكثر ترجيحاً). يقوم هذا السيناريو على انتقال مشروط ومفرغ من المضمون. ففي هذا الإطار، توافق إسرائيل على بدء المرحلة الثانية، لكنها تربط تنفيذها بسلسلة شروط جديدة لم تكن جزءاً من نص الاتفاق الأصلي، مثل نزع السلاح الكامل لحماس، وترتيبات أمنية طويلة الأمد تضمن السيطرة الإسرائيلية المطلقة، وربط إعادة الإعمار بإشراف سياسي وأمني موسع. بهذا، تتحول المرحلة الثانية إلى عملية تفاوض مفتوحة بلا سقف زمني، مما يخدم مصالح إسرائيل في المماطلة وتغيير الحقائق على الأرض.
- السيناريو الثالث: إعادة تدوير المرحلة الأولى. يتمثل هذا السيناريو في إعادة تدوير المرحلة الأولى تحت مسميات مختلفة، عبر تمديد وقف إطلاق النار الهش، وفتح محدود للمعابر، ومعالجات تقنية لبعض الملفات، من دون إعلان رسمي للانتقال إلى المرحلة الثانية. هذا السيناريو يسمح لإسرائيل بتجنب إعلان فشل الاتفاق، وفي الوقت نفسه يمنع الوصول إلى استحقاق سياسي شامل قد يفرض عليها تنازلات لا ترغب بها.
غموض للحفاظ على الائتلاف وتداعياته
في الداخل الإسرائيلي، لا يبدو أن هذه السياسة تفرض ثمناً سياسياً فورياً على نتنياهو. فقاعدته اليمينية لا ترى في الانتقال إلى المرحلة الثانية أولوية، بل تعتبر إدارة الغموض وسيلة للحفاظ على توازن الائتلاف الحكومي الهش. وهكذا يواصل نتنياهو إدارة الاتفاق بمنطق إدارة الأزمات لا حسمها، مما يؤدي إلى استمرار حالة عدم اليقين وتفاقم الأوضاع في غزة. هذا النهج، وإن كان يحقق مكاسب سياسية قصيرة المدى لنتنياهو، إلا أنه يعمق الأزمة على المدى الطويل ويزيد من تعقيد أي حلول مستقبلية.
في المحصلة، لا يمكن اعتبار استعادة جثة آخر أسير إسرائيلي مدخلاً فعلياً للمرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في غزة. فقد أسقطت هذه الخطوة ذريعة واحدة فقط، من دون أن تمس جوهر السياسة الإسرائيلية القائمة على التأجيل وإعادة التفاوض وفرض شروط جديدة. ويبقى الانتقال الحقيقي رهناً بقرار إسرائيلي غير متوافر حتى الآن، وبضغط دولي لا يتجاوز سقف الاحتواء، ما يجعل المرحلة الثانية عنواناً مؤجلاً لا مساراً مفتوحاً نحو السلام والاستقرار. إن مصير ملايين الأرواح في غزة معلق على هذه التعقيدات السياسية، في انتظار حل يبدو بعيد المنال.


