يواجه معبر رفح الحدودي، الشريان الحيوي لقطاع غزة مع العالم الخارجي، أزمة جديدة تضاف إلى تاريخه الطويل من التعقيدات، حيث تتصاعد الخلافات الحادة بين مصر وإسرائيل حول آلية تشغيله وعدد العابرين يوميًا. في ظل ترقب مئات الآلاف من الفلسطينيين لفتحه لإدخال المساعدات الإنسانية الضرورية وخروج المصابين لتلقي العلاج، تلقي هذه الخلافات بظلال من الغموض على موعد إعادة فتحه، مما يفاقم الأوضاع الإنسانية المتردية في القطاع المحاصر.
تُعد هذه الأزمة امتدادًا لسياق تاريخي معقد يحيط بقطاع غزة ومعابره. فبعد الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من القطاع عام 2005، والذي أنهى الاحتلال المباشر، تحولت السيطرة على المعابر إلى نقطة خلاف رئيسية. ومع سيطرة حركة حماس على غزة عام 2007، فرضت إسرائيل حصارًا مشددًا على القطاع، مما جعل معبر رفح، الذي يربط غزة بمصر، المنفذ الوحيد غير الخاضع للسيطرة الإسرائيلية المباشرة. ومع ذلك، ظل تشغيله يخضع لقيود صارمة وتفاهمات معقدة بين الأطراف المعنية، مما جعله غالبًا ما يكون مغلقًا أو يعمل بقدرة محدودة للغاية، محولًا حرية التنقل إلى رفاهية نادرة لسكان القطاع.
وفقًا لهيئة البث الإسرائيلية الرسمية ومصادر مطلعة، تكمن الخلافات الجوهرية حاليًا في أعداد الداخلين والمغادرين عبر المعبر. تسعى تل أبيب إلى أن يكون عدد المغادرين من غزة أكبر من عدد الداخلين إليها، وهو ما ترفضه القاهرة بشدة. تصر مصر على تحقيق توازن كامل بين الاتجاهين، مدفوعة بمخاوف عميقة من أن يتحول فتح المعبر إلى وسيلة غير مباشرة لتشجيع الهجرة القسرية أو الطوعية من القطاع، وهو ما يتعارض مع مبادئها الثابتة برفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم.
تأتي هذه التوترات في وقت يعيش فيه سكان قطاع غزة أوضاعًا إنسانية بالغة القسوة، نتيجة للحصار المستمر والهجمات الإسرائيلية المتكررة. يعاني مليونا فلسطيني من نقص حاد في الغذاء والدواء والمياه والكهرباء، وتتفاقم معاناتهم بسبب القيود المشددة على الحركة والتنقل. إن إغلاق معبر رفح أو تقييد عمله يحرم آلاف المرضى من تلقي العلاج الضروري في الخارج، ويمنع الطلاب من مواصلة تعليمهم، ويفصل العائلات، ويخنق أي أمل في التعافي الاقتصادي أو الاجتماعي للقطاع.
من جانبها، ترى مصر أن أمنها القومي واستقرار المنطقة يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالوضع في غزة. فسيناريو التهجير الجماعي للفلسطينيين إلى سيناء يشكل تهديدًا استراتيجيًا لمصر، ولهذا السبب، أبلغت القاهرة بعثة الاتحاد الأوروبي تمسكها بمبدأ التوازن الكامل في حركة العبور، وأكدت أنها لن تتهاون في هذا الملف حتى لو أدى ذلك إلى تأخير فتح المعبر. وتطالب مصر بضمانات وضغوط أمريكية على تل أبيب لضمان عدم استغلال المعبر لأغراض غير إنسانية أو سياسية تهدف إلى تغيير التركيبة السكانية للقطاع.
على الصعيد الحقوقي، حذّر مركز غزة لحقوق الإنسان من أن القيود الإسرائيلية والاشتراطات الأمنية والتنظيمية المفروضة على معبر رفح تمس جوهر الحق في حرية التنقل، وتُعد تعسفية وتحمل أبعادًا سياسية وأمنية خطيرة. وأكد المركز أن هذه السياسات تحرم آلاف الفلسطينيين من السفر، وتفرغ فتح المعبر من مضمونه الإنساني، محذرًا من محاولات تحويله إلى أداة ضغط و”هندسة سكانية” عبر جعل أعداد المغادرين أكبر من العائدين، وهو ما يتنافى مع القانون الدولي الإنساني ومبادئ حقوق الإنسان.
تتواصل الاتصالات والاجتماعات المكثفة بين الجانبين في محاولة لتضييق هوة الخلاف، إلا أن ملف الأعداد يظل العقبة الرئيسية التي تعرقل فتح المعبر حتى الآن. وبينما اكتملت الاستعدادات اللوجستية بالكامل من الجانب المصري، تظل التوقعات بشأن موعد الفتح متضاربة، بين من يرجّح الأحد القادم، ومن يتحدث عن تأجيل محتمل. يبقى مصير معبر رفح معلقًا بين الحاجة الإنسانية الملحة والتعقيدات السياسية والأمنية، مما يستدعي تدخلًا دوليًا فوريًا لضمان فتحه بشكل مستدام وعادل يلبي احتياجات سكان غزة دون المساس بحقوقهم الأساسية أو استقرار المنطقة.


