في تصعيد خطير يهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية المتصاعدة في اليمن، أعلنت الأمم المتحدة عن قيام جماعة الحوثي بمصادرة معدات وآليات حيوية تابعة لها في العاصمة صنعاء، بالإضافة إلى فرض قيود مشددة على حركة الطيران الإنساني. هذه الإجراءات، التي تمت دون إذن مسبق أو مبررات رسمية، تثير قلقاً بالغاً بشأن قدرة المنظمة الدولية على مواصلة عملياتها الإغاثية الضرورية لملايين اليمنيين الذين يعتمدون على المساعدات للبقاء على قيد الحياة.
وأوضح جوليان هارنيس، منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، في بيان صدر مؤخراً، أن قوات الحوثيين اقتحمت ستة مكاتب تابعة للأمم المتحدة في صنعاء، والتي كانت غير مأهولة بالموظفين حالياً. وقد أسفرت هذه الاقتحامات عن نقل معظم معدات الاتصالات الموجودة داخل هذه المكاتب، فضلاً عن عدد من المركبات التابعة للأمم المتحدة، إلى مواقع غير معلومة. وأكد البيان أن الأمم المتحدة لم تصرح بنقل هذه الأصول ولم تتلق أي إخطار رسمي يوضح الأسباب الكامنة وراء هذه الخطوة، مشدداً على أن جميع المعدات المصادرة تم استيرادها إلى اليمن وفقاً للإجراءات القانونية المعمول بها.
وتشكل هذه المعدات المصادرة جزءاً لا يتجزأ من البنية التحتية الأساسية التي تمكن الأمم المتحدة من الحفاظ على وجودها الفعال وتنفيذ برامجها الإنسانية الحيوية في البلاد. فبدون هذه الأدوات، تصبح قدرة المنظمة على التنسيق والتواصل وتقديم المساعدات اللوجستية في بيئة معقدة مثل اليمن مهددة بشكل كبير.
ولم تقتصر الإجراءات الحوثية على مصادرة الأصول، بل امتدت لتشمل فرض قيود صارمة على خدمة الأمم المتحدة الجوية الإنسانية (UNHAS). فمنذ أكثر من شهر، لم تمنح جماعة الحوثي الإذن لرحلات UNHAS بالهبوط في صنعاء، كما منعت تسيير الرحلات إلى محافظة مأرب لأكثر من أربعة أشهر، وذلك أيضاً دون تقديم أي توضيحات رسمية. وتُعد رحلات UNHAS الشريان الوحيد الذي يتيح لموظفي المنظمات غير الحكومية الدولية الوصول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين والخروج منها، مما يجعل استمرار منع هذه الرحلات قيداً إضافياً وخطيراً على إيصال المساعدات الإنسانية العاجلة.
تأتي هذه التطورات في سياق حرب أهلية مدمرة تشهدها اليمن منذ عام 2014، حيث تتصارع جماعة الحوثي مع الحكومة المعترف بها دولياً والمدعومة بتحالف عسكري تقوده السعودية. وقد أدت هذه الحرب إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يعاني ملايين اليمنيين من الجوع والمرض والنزوح. وتلعب الأمم المتحدة ووكالاتها دوراً محورياً في محاولة التخفيف من هذه المعاناة، حيث تقدم الغذاء والدواء والمأوى لملايين الأشخاص الذين يعيشون على حافة المجاعة.
إن تعطيل عمل الأمم المتحدة ومصادرة أصولها يمثل ضربة قاصمة للجهود الإنسانية في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بشكل غير مسبوق، خاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. فالتأثير المتوقع لهذه الإجراءات سيكون كارثياً على المستوى المحلي، حيث ستزداد معاناة المدنيين، وتتفاقم أزمة الغذاء والصحة، وقد يؤدي ذلك إلى تفشي أوسع للأمراض الفتاكة. على الصعيد الإقليمي، قد تزيد هذه الإجراءات من حالة عدم الاستقرار وتعيق أي جهود مستقبلية للسلام، بينما على المستوى الدولي، فإنها تقوض مبادئ العمل الإنساني المحايد وتضع سابقة خطيرة لعرقلة عمل المنظمات الدولية في مناطق النزاع.
وفي هذا الصدد، ذكّر البيان الأممي بقراري مجلس الأمن الدولي 2801 (2025) و2813 (2026)، اللذين يدعوان الحوثيين صراحة إلى توفير بيئة عمل آمنة ومأمونة للمنظمات الإنسانية، بما في ذلك الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الموظفين المحتجزين من الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والبعثات الدبلوماسية. إن هذه الإجراءات الأخيرة لا تتنافى فقط مع هذه القرارات، بل تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الإنساني الدولي الذي يحمي العاملين في المجال الإنساني وممتلكاتهم.
وتؤكد الأمم المتحدة أن استمرار هذه الممارسات سيؤدي حتماً إلى تفاقم الوضع الإنساني المتردي بالفعل، وستحد بشكل كبير من قدرة المنظمة على الوصول إلى الفئات الأكثر ضعفاً. وتدعو المجتمع الدولي إلى ممارسة الضغط اللازم لضمان احترام جماعة الحوثي لالتزاماتها الدولية وتسهيل العمل الإنساني دون عوائق، لإنقاذ حياة الملايين في اليمن.


