spot_img

ذات صلة

العراق يتسلم عناصر داعش: تحديات العدالة والأمن الإقليمي

تتواصل الجهود الحثيثة لمكافحة الإرهاب وتداعياته في المنطقة، وفي هذا السياق، كشفت مصادر مسؤولة عن تسلم السلطات العراقية 953 عنصراً من تنظيم داعش الإرهابي حتى الآن، في إطار عملية نقل مستمرة من الأراضي السورية. إلا أن هذه العملية، التي تحمل أهمية بالغة للأمن الإقليمي والدولي، شهدت تباطؤاً ملحوظاً خلال الأيام الماضية، وعزت المصادر ذلك إلى سوء الأحوال الجوية التي أعاقت عمليات النقل اللوجستية.

وأفادت المصادر ذاتها بأن نحو 150 عنصراً إضافياً من «داعش» كان من المقرر أن يصلوا اليوم (السبت)، في إشارة إلى استمرار العملية رغم التحديات. كما أشارت إلى أن الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية وقوات سورية الديمقراطية (قسد) قد ينعكس على وتيرة النقل، مما قد يؤدي إلى تقليل أعداد العناصر المنقولين إلى العراق، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل هذه العملية المعقدة.

من بين العناصر الـ 953 الذين تم استلامهم، كشفت المصادر عن وجود 3 عراقيين فقط، فيما ينتمي الباقون إلى جنسيات مختلفة، أغلبها أوروبية. هذه الحقيقة تسلط الضوء على البعد الدولي لظاهرة المقاتلين الأجانب في صفوف التنظيم الإرهابي، وتضع تحديات إضافية أمام الدول المعنية في التعامل مع مواطنيها المتورطين في الإرهاب.

وفي خطوة لضمان سير العدالة، أعلنت السلطات العراقية عن تشكيل لجنة قضائية موحّدة تتولى التحقيق مع عناصر «داعش» وفق الإجراءات القانونية المعتمدة في البلاد. وأوضحت أن آخر مجموعة من نقل العوائل العراقية من مخيم الهول، الذي يضم آلاف الأسر المرتبطة بداعش، إلى مخيم الجدعة في العراق من المنتظر أن تصل خلال 48 ساعة، مما يعكس جهود العراق في معالجة ملفات الإرهاب على المستويين الأمني والإنساني.

وكانت دفعة أولى تضم 150 عنصراً، بينهم قياديون بارزون في التنظيم وأوروبيون، قد وصلت إلى العراق من أحد سجون الحسكة في سورية، بحسب ما أفصح مسؤولان عراقيان الأسبوع الماضي. ويُذكر أن هؤلاء، وجميعهم على مستوى زعماء في عمليات «داعش» في العراق، كانوا قد لعبوا أدواراً محورية خلال عام 2014 حين سيطر التنظيم الإرهابي على مساحات واسعة من العراق وسورية، مهدداً الأمن والسلم الإقليمي والدولي.

السياق التاريخي وتحديات ما بعد “الخلافة”:

تعود جذور هذه القضية إلى صعود تنظيم داعش الإرهابي في عام 2014، عندما استغل الفراغ الأمني والاضطرابات الإقليمية ليفرض سيطرته على مساحات شاسعة من العراق وسورية، معلناً “خلافته” المزعومة. وقد أدى ذلك إلى موجة غير مسبوقة من العنف والتطرف، وجذب آلاف المقاتلين الأجانب من مختلف أنحاء العالم. بعد سنوات من المعارك الشرسة، تمكنت القوات العراقية بدعم من التحالف الدولي، وقوات سورية الديمقراطية في سورية، من دحر التنظيم إقليمياً بحلول عام 2019. ومع ذلك، خلفت هذه الحرب تركة ثقيلة، أبرزها آلاف المقاتلين المعتقلين في سجون قوات سورية الديمقراطية، وعشرات الآلاف من أفراد عائلاتهم المحتجزين في مخيمات مثل الهول وروج، مما يشكل تحدياً أمنياً وإنسانياً كبيراً للمنطقة والعالم.

الأهمية والتأثيرات المتوقعة:

إن عملية نقل عناصر داعش إلى العراق تحمل أهمية قصوى على عدة مستويات. محلياً في العراق، تمثل هذه الخطوة جزءاً أساسياً من جهود البلاد لتحقيق العدالة لضحايا الإرهاب، وتفكيك الشبكات الإرهابية المتبقية، وضمان عدم عودة التنظيم للظهور. يواجه النظام القضائي العراقي تحدياً كبيراً في محاكمة هذا العدد الكبير من المتهمين، خاصة مع اختلاف جنسياتهم وتنوع الأدلة. كما أن التعامل مع عائلات داعش، وخاصة الأطفال، يتطلب استراتيجيات شاملة للدمج وإعادة التأهيل لمنع تكرار دورة العنف.

إقليمياً، تساهم هذه العملية في تعزيز الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، حيث لا يزال خطر فلول داعش قائماً. التعاون بين العراق وسورية وقوات سورية الديمقراطية في هذا الملف يعكس ضرورة التنسيق الإقليمي لمواجهة التهديدات العابرة للحدود. كما أن معالجة ملف المعتقلين يقلل من احتمالية هروبهم أو إعادة تنظيم صفوفهم، مما يجنب المنطقة موجات جديدة من الإرهاب.

دولياً، تسلط هذه القضية الضوء على مسؤولية المجتمع الدولي في دعم الدول المتضررة من الإرهاب. إعلان القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» في وقت سابق من الشهر الجاري بدء نقل عناصر التنظيم من سورية إلى العراق، في خطوة قالت إنها تهدف إلى «ضمان بقاء الإرهابيين في مرافق احتجاز مؤمّنة»، يؤكد البعد العالمي لهذه المشكلة. كما أن وجود أعداد كبيرة من المقاتلين الأوروبيين يضع ضغوطاً على الدول الأوروبية لإعادة مواطنيها أو دعم محاكمتهم في العراق، بما يضمن عدم تحولهم إلى تهديد أمني محتمل في المستقبل. من جانبه، أعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي أنه سيباشر الإجراءات بحقهم، وأن جميع المتهمين بغض النظر عن جنسياتهم أو مواقعهم ستُطبّق بحقهم الإجراءات القانونية من دون أي استثناء، مؤكداً التزام العراق بالعدالة وسيادة القانون.

spot_imgspot_img