أظهرت بيانات رسمية صدرت مؤخراً تباطؤاً ملحوظاً في النشاط الصناعي بالصين خلال شهر يناير، مخالِفةً بذلك التوقعات التي كانت تشير إلى استمرار التعافي بعد ارتفاع طفيف سجله القطاع في نهاية العام الماضي. هذا التراجع يعكس تحديات اقتصادية مستمرة تواجه ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ويثير مخاوف بشأن مسار النمو المستقبلي.
مؤشر مديري المشتريات يتراجع إلى منطقة الانكماش
أعلن المكتب الوطني للإحصاء الصيني أن مؤشر مديري المشتريات (PMI)، وهو المقياس الرئيسي لأداء الصناعة، انخفض إلى 49.3 نقطة هذا الشهر. جاء هذا الرقم أقل من التوقعات التي كانت تشير إلى 50.1 نقطة، مما يشير إلى انكماش طفيف في النشاط الصناعي، حيث يعتبر مستوى 50 نقطة هو الفاصل بين التوسع والانكماش. هذا التراجع ينهي سلسلة ارتفاع قصيرة شهدها ديسمبر عند 50.1 نقطة، بعد أشهر طويلة من الأداء الضعيف منذ أبريل الماضي.
السياق التاريخي والتحول الاقتصادي الصيني
لطالما اعتُبرت الصين «مصنع العالم»، حيث اعتمد نموها الاقتصادي السريع لعقود على الاستثمار الضخم في البنية التحتية والتصنيع الموجه للتصدير. ومع ذلك، تسعى بكين منذ سنوات إلى إعادة التوازن لاقتصادها، بالتحول نحو نموذج يعتمد بشكل أكبر على الاستهلاك المحلي والابتكار التكنولوجي والخدمات. هذا التحول، وإن كان ضرورياً على المدى الطويل، يواجه تحديات كبيرة في ظل بيئة اقتصادية عالمية متقلبة وتوترات تجارية مستمرة. كما أن سياسات الإغلاق الصارمة خلال جائحة كوفيد-19 أثرت بشكل كبير على سلاسل الإمداد العالمية وقمعت الطلب المحلي، مما ترك آثاراً عميقة لا تزال تظهر في البيانات الاقتصادية الحالية.
ضعف الطلب المحلي وموسم الركود التقليدي
أوضح هوو ليهوي من المكتب الوطني للإحصاء أن البيانات تعكس «عدم كفاية الطلب الفعلي في السوق»، بالإضافة إلى «موسم الركود التقليدي» لبعض قطاعات التصنيع. هذا الضعف في الطلب المحلي يمثل عقبة رئيسية أمام التعافي الاقتصادي، خاصة وأن الإنفاق الاستهلاكي المحلي يشهد تراجعاً مستمراً، مما يؤثر على النشاط الاقتصادي العام. ورغم قوة الصادرات التي اعتبرها كبير الاقتصاديين في شركة بينبوينت لإدارة الأصول، تشيوي تشانغ، «ركيزة النمو» في العام الماضي (2023)، فإن استدامة القطاع الصناعي ستكون مفتاحاً لتوقعات النمو المستقبلية، وهو ما يتطلب تنشيط الطلب الداخلي.
تحديات هيكلية: أزمة العقارات والتحولات الديموغرافية
يواجه الاقتصاد الصيني تحديات هيكلية عميقة تتجاوز التقلبات الموسمية. تعاني السوق العقارية الصينية من أزمة ديون طويلة الأمد، أدت إلى تباطؤ حاد في الاستثمار العقاري وقللت من رغبة المواطنين في شراء المنازل، مما يؤثر على الثروة الأسرية وثقة المستهلكين. هذه الأزمة لها تداعيات واسعة على القطاع المالي والحكومات المحلية. علاوة على ذلك، يفاقم التراجع الديموغرافي والشيخوخة السكانية من صعوبة توقع حدوث طفرة إنفاق مستقبلية. فتقلص القوى العاملة وارتفاع نسبة كبار السن يزيدان من الضغوط على نظام الرعاية الاجتماعية ويحدان من قاعدة المستهلكين الشباب، مما يزيد الضغوط على الاقتصاد على المدى الطويل.
الآثار المتوقعة وإجراءات حكومية مرتقبة
على الرغم من تحقيق الصين فائضاً تجارياً كبيراً في عام 2023، والذي شكل نقطة قوة مهمة، فإن تباطؤ النشاط الصناعي يثير مخاوف بشأن قدرة الصين على الحفاظ على زخم النمو. محلياً، قد يؤدي هذا التباطؤ إلى زيادة الضغوط على سوق العمل وتراجع ثقة المستهلكين والمستثمرين. إقليمياً وعالمياً، يمكن أن يؤثر ضعف الطلب الصيني على الشركاء التجاريين وسلاسل الإمداد العالمية، خاصة الدول التي تعتمد على الصادرات إلى الصين أو التي تستورد منها المواد الخام والسلع المصنعة. كما أن تباطؤ الصين قد يلقي بظلاله على النمو الاقتصادي العالمي. تعهدت بكين باتخاذ إجراءات لتعزيز الطلب خلال السنوات القادمة، ومن المتوقع أن تعلن الحكومة عن سياسات رئيسية في مارس بالتزامن مع إصدار خطتها الخمسية الجديدة، والتي قد تتضمن حزم تحفيزية لدعم القطاع الخاص والاستهلاك.
نمو متباطئ وتوقعات لعام 2024
أظهرت البيانات أن الاقتصاد الصيني نما بنسبة 5.2% في عام 2023، وهو من بين أبطأ معدلات النمو منذ عقود. ومع استمرار التحديات، من المتوقع أن تحدد السلطات هدف نمو مماثل لهذا العام (2024) خلال التجمع السياسي السنوي في مارس القادم. سيتطلب تحقيق هذا الهدف جهوداً كبيرة لمعالجة القضايا الهيكلية وتعزيز الثقة في الاقتصاد الصيني.


