spot_img

ذات صلة

البرلمان العراقي يؤجل انتخاب الرئيس: أزمة سياسية وتداعيات محتملة

في تطور يعكس عمق الأزمة السياسية التي تعصف بالعراق، أعلن مجلس النواب العراقي، للمرة الثانية خلال أقل من أسبوع، عن تأجيل جلسة كانت مخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية. هذا التأجيل، الذي أوردته وكالة الأنباء العراقية «واع» دون تفاصيل إضافية حول الأسباب المباشرة، يأتي ليضيف طبقة جديدة من التعقيد على المشهد السياسي العراقي الذي يشهد جموداً منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة في أكتوبر 2021. كان من المقرر أن تُعقد الجلسة اليوم الأحد، بعد تأجيل سابق يوم الثلاثاء الماضي، مما يبرز التحديات المستمرة في التوصل إلى توافق وطني.

لطالما شكل منصب رئيس الجمهورية في العراق، منذ عام 2003، ركيزة أساسية في نظام تقاسم السلطة المعروف بـ «المحاصصة الطائفية والقومية». فبموجب العرف السياسي السائد، يُخصص هذا المنصب للمكون الكردي، بينما يتولى الشيعة رئاسة الوزراء، والسنة رئاسة البرلمان. ورغم أن صلاحيات الرئيس في الدستور العراقي هي إلى حد كبير تشريفية وتتمثل في المصادقة على القوانين وحماية الدستور وتمثيل السيادة الوطنية، إلا أن دوره يظل محورياً في تحقيق التوازن السياسي وتسهيل تشكيل الحكومات. تاريخياً، شهدت عملية انتخاب الرئيس مفاوضات مكثفة بين الأحزاب الكردية الرئيسية، لا سيما الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، للاتفاق على مرشح توافقي، وهو ما يبدو غائباً في المشهد الحالي.

وأفادت الدائرة الإعلامية لمجلس النواب في بيان رسمي بأن المجلس قرر تأجيل انعقاد جلسته. وفي سياق متصل، أدى بدر الفحل اليمين الدستورية بصفته نائباً جديداً في مجلس النواب، استناداً إلى المادة (50) من الدستور، وهو إجراء روتيني لا يرتبط مباشرة بأسباب التأجيل. وكان رئيس البرلمان، محمد الحلبوسي، قد أشار في وقت سابق إلى أن التأجيل السابق كان بهدف إتاحة «مزيد من الوقت للتفاهم والاتفاق» بين الحزبين الكرديين الرئيسيين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.

يُشترط لانعقاد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية حضور ثلثي العدد الكلي لأعضاء البرلمان، أي ما لا يقل عن 220 نائباً من أصل 329، وذلك عملاً بقرار المحكمة الاتحادية رقم 16 لسنة 2022 الذي يفسر المادة 70 من الدستور. وتُجرى عملية التصويت بالاقتراع السري المباشر. للفوز بالمنصب في الجولة الأولى، يجب أن يحصل أحد المرشحين على أغلبية ثلثي عدد أعضاء المجلس. وفي حال عدم تحقيق ذلك، يتنافس المرشحان الحاصلان على أعلى الأصوات في جولة ثانية، ويُحسم المنصب لصالح من ينال العدد الأكبر من الأصوات.

على الرغم من العرف السياسي الراسخ الذي يمنح منصب رئاسة الجمهورية للمكون الكردي، لا يزال الانقسام حاداً بين الحزبين الكرديين الرئيسيين، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني. يتمسك كل طرف بمرشحه، مما يعني دخول الجلسة بمرشحين مختلفين دون اتفاق مسبق، وهو ما يزيد من صعوبة حسم المنصب من الجولة الأولى التي تتطلب 220 صوتاً، ويرجح بقوة الذهاب إلى جولة ثانية داخل البرلمان. من أصل 44 مرشحاً تقدموا بأوراق ترشحهم، أعلنت رئاسة البرلمان أن 15 مرشحاً فقط تنطبق عليهم الشروط الدستورية والقانونية، ثم أضافت المحكمة 4 آخرين بعد طعون المتضررين، ليصبح العدد النهائي للمرشحين 19. وتضم القائمة 13 مرشحاً من المكون الكردي، أبرزهم: شوان حويز فريق نامق، حسين طه حسن محمد سنجاري، نجم الدين عبد الكريم حمه كريم نصر الله، آسو فريدون علي، سامان علي إسماعيل شالي، عبد اللطيف محمد جمال رشيد شيخ محمد، نزار محمد سعيد محمد كنجي، سردار عبد الله محمود تايمز، فؤاد محمد حسين بكي، مثنى أمين نادر، نوزاد هادي مولود، خالد صديق عزيز، آزاد مجيد حسن. كما تقدم 6 مرشحين من المكون العربي وهم: أحمد عبد الله توفيق أحمد، صباح صالح سعيد، عبد الله محمد علي ظاهر، إقبال عبد الله أمين حليوي، رافع عبد الله حميد، وسالم حواس علي.

إن استمرار هذا الجمود السياسي وتأجيل انتخاب رئيس الجمهورية له تداعيات خطيرة على المستويين المحلي والإقليمي. محلياً، يعيق هذا التأخير تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، حيث لا يمكن لرئيس الوزراء المكلف أن يبدأ مهامه دون رئيس للجمهورية. هذا الوضع يطيل أمد الفراغ الدستوري ويؤثر سلباً على قدرة الدولة على معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الملحة، ويزيد من حالة عدم اليقين التي يعاني منها الشارع العراقي. إقليمياً ودولياً، يُنظر إلى استقرار العراق على أنه عامل حاسم في استقرار المنطقة بأسرها. فالعراق، بموقعه الجيوسياسي الهام وثرواته النفطية، يمثل نقطة تقاطع لمصالح قوى إقليمية ودولية متعددة. وبالتالي، فإن أي اضطراب سياسي داخلي يمكن أن يمتد تأثيره ليؤثر على التوازنات الإقليمية، ويثير قلق المجتمع الدولي بشأن مستقبل الديمقراطية والاستقرار في البلاد.

spot_imgspot_img