في ظل الصراع الدائر في اليمن منذ ما يقرب من عقد من الزمان، والذي خلف واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، تلعب المنظمات الدولية دوراً حيوياً في تقديم الإغاثة المنقذة للحياة. ومع ذلك، تواجه هذه المنظمات تحديات جمة، بما في ذلك القيود المفروضة على حركتها ومصادرة ممتلكاتها، مما يعرقل جهودها الإنسانية.
في انتهاك جديد يضاف إلى سجلها الحافل، واصلت جماعة الحوثي اعتداءاتها ضد المنظمات والهيئات الدولية، حيث اقتحم عناصرها مقر منظمة أطباء بلا حدود (Médecins Sans Frontières) في الحي السياسي بالعاصمة صنعاء، وصادروا أجهزة ومعدات اتصالات حيوية تابعة للمنظمة.
وأفادت مصادر إعلامية يمنية أن الحوثيين أبلغوا المنظمة قبل اقتحام مقرها بنيتهم إعادة بعض الأصول التي جرى الاستيلاء عليها قبل أكثر من ثلاثة أشهر. هذا الإبلاغ دفع ممثلي المنظمة للحضور إلى الموقع في أجواء من التفاؤل الحذر، أملاً في استعادة ممتلكاتهم. لكن الجماعة لم تُعد أياً من الأجهزة المصادرة سابقاً، بل صادرت ما تبقى من المعدات، ليتبين أن الإبلاغ المسبق كان مجرد تمويه وتغطية على عملية مصادرة جديدة للأصول التابعة للمنظمة الدولية، في تكتيك يثير القلق حول نوايا الجماعة.
تأتي هذه الاعتداءات في وقت لا يزال فيه موظف واحد على الأقل من العاملين في منظمة أطباء بلا حدود محتجزاً لدى جماعة الحوثي منذ اقتحام المقر في شهر نوفمبر من العام الماضي، في استمرار لسياسات جماعة الحوثي القمعية ضد الأفراد والمنظمات الدولية العاملة في اليمن.
تُعد منظمة أطباء بلا حدود من الركائز الأساسية في الاستجابة الإنسانية باليمن، حيث تقدم خدمات طبية حيوية لملايين اليمنيين المتضررين من النزاع، بما في ذلك الرعاية الصحية الأولية، الجراحة، علاج سوء التغذية، ومكافحة الأوبئة مثل الكوليرا. إن عملها لا غنى عنه في مناطق تفتقر بشدة إلى البنية التحتية الصحية، وقد تعرضت منشآتها ومعداتها لمصادرات وقيود من الحوثيين منذ بداية تدخلها في صنعاء، ما أثّر سلباً على قدرتها في تقديم الدعم.
إن هذه الانتهاكات المتكررة لا تمثل اعتداءً على منظمة إنسانية فحسب، بل هي ضربة مباشرة للجهود الرامية إلى تخفيف المعاناة الإنسانية في اليمن. فمصادرة المعدات الحيوية واحتجاز الموظفين يعيق قدرة المنظمة على الوصول إلى المحتاجين وتقديم الرعاية الطبية الضرورية، مما يعرض حياة الآلاف للخطر. كما تبعث هذه الأعمال برسالة سلبية للمنظمات الدولية الأخرى، مما قد يدفعها إلى تقليص عملياتها أو حتى الانسحاب، وهو ما سيفاقم الأزمة الإنسانية بشكل كبير.
تتنافى هذه الممارسات بشكل صارخ مع مبادئ القانون الدولي الإنساني، الذي يوجب حماية العاملين في المجال الإنساني وممتلكاتهم، ويضمن وصول المساعدات دون عوائق إلى المدنيين. إن استهداف المنظمات الإنسانية يعرقل المبادئ الأساسية للحياد والاستقلالية التي تقوم عليها هذه المنظمات، ويقوض الثقة الضرورية لعملها الفعال.
وتكشف بيانات الأمم المتحدة أن 73 موظفاً أممياً وعشرات العاملين في البعثات الدبلوماسية ومنظمات المجتمع المدني يقبعون في سجون الحوثي منذ سنوات، مع احتجاز البعض منذ عام 2021، وسط ظروف وصفت بأنها مخالفة لمبادئ القانون الدولي الإنساني وتثير مخاوف جدية لدى المنظمات الحقوقية الدولية.
وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت، الجمعة الماضية، أن عناصر جماعة الحوثي في صنعاء صادرت معدات وآليات تابعة لها، ونقلتها إلى موقع غير معلوم، دون إذن مسبق أو تقديم مبررات رسمية. وقال المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن جوليان هارنيس إن الحوثيين دخلوا إلى ما لا يقل عن 6 مكاتب أممية في صنعاء، جميعها غير مأهولة حالياً بالموظفين، وقاموا بنقل معظم معدات الاتصالات الموجودة فيها، إضافة إلى عدد من مركبات الأمم المتحدة.
تتطلب هذه الانتهاكات إدانة دولية واضحة ومطالبة بضمان سلامة وحرية عمل المنظمات الإنسانية في اليمن. إن استمرار احتجاز الموظفين الأمميين والعاملين في المنظمات الدولية يمثل انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان والقانون الدولي، ويجب الإفراج عنهم فوراً ودون شروط. هذه الحوادث المتكررة تسلط الضوء على نمط مقلق من القيود والعراقيل التي تضعها جماعة الحوثي أمام العمل الإنساني، مما يستدعي تدخلاً دولياً حازماً لضمان استمرارية المساعدات الإنسانية للشعب اليمني الذي يعاني ويلات الحرب.


