في تطور مفاجئ يثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات الأمريكية العراقية، أفصحت مصادر مطلعة عن رحيل المبعوث الأمريكي إلى العراق، مارك سافايا، الذي كان قد عينه الرئيس دونالد ترمب في أكتوبر الماضي. يأتي هذا الرحيل الغامض ليضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد السياسي العراقي المتوتر أصلاً، وإلى الدور الأمريكي في المنطقة.
وفقاً لوكالة «رويترز»، لم تتضح بعد الأسباب المباشرة وراء مغادرة سافايا لمنصبه، كما لم يتم الإعلان عما إذا كان سيتم تعيين بديل له في الوقت الراهن. اللافت أن سافايا لم يقم بأي زيارة رسمية للعراق منذ تعيينه، رغم أنه كان من المقرر أن يعقد اجتماعات مع كبار المسؤولين العراقيين يوم الجمعة الماضي، إلا أنه ألغى هذه الزيارات فجأة.
أحد المصادر أشار إلى «سوء إدارة» من جانب سافايا في مواقف حساسة، أبرزها فشله في منع ترشيح رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء القادم. هذه الخطوة كانت قد أثارت تحذيرات علنية وصارمة من الرئيس ترمب نفسه، الذي اعتبر في منشور عبر منصته «تروث سوشال» أن اختيار المالكي سيكون «خياراً سيئاً للغاية»، مهدداً بقطع المساعدات الأمريكية عن العراق إذا ما تم انتخابه. يعكس هذا الموقف الأمريكي قلقاً عميقاً من عودة شخصيات سياسية مرتبطة بفترات سابقة شهدت استقطاباً طائفياً وتدهوراً أمنياً، مثل فترة المالكي التي شهدت صعود تنظيم داعش.
لطالما كانت العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق معقدة ومتشابكة منذ الغزو الأمريكي عام 2003. فبعد الإطاحة بنظام صدام حسين، اضطلعت واشنطن بدور محوري في بناء الدولة العراقية الجديدة ودعم استقرارها، رغم التحديات الأمنية والسياسية الهائلة. يمثل المبعوث الأمريكي إلى العراق حلقة وصل حيوية بين البلدين، ومسؤولاً عن تنسيق الجهود الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية، وضمان توافق المصالح المشتركة في منطقة تتسم بالتقلبات الجيوسياسية المستمرة. إن رحيل مبعوث بهذا المستوى، خاصة في ظل ظروف غامضة، يمكن أن يرسل إشارات مختلطة حول التزام واشنطن تجاه بغداد.
تأتي أهمية هذا المنصب من الدور المحوري الذي يلعبه العراق في استقرار المنطقة، كونه نقطة تقاطع لمصالح إقليمية ودولية متعددة. فالعراق يواجه تحديات داخلية جمة، من بينها الحاجة إلى إصلاحات اقتصادية وسياسية، ومكافحة الفساد، وتوحيد الصف الوطني. على الصعيد الإقليمي، يمثل العراق ساحة للتنافس بين القوى الكبرى، وتأثيره يمتد إلى دول الجوار مثل إيران وتركيا ودول الخليج. أي تغيير في القيادة الدبلوماسية الأمريكية يمكن أن يؤثر على مسار هذه التحديات، وعلى قدرة العراق على المضي قدماً نحو الاستقرار والتنمية. كما أن رحيل سافايا قد يفتح الباب أمام إعادة تقييم شاملة للاستراتيجية الأمريكية في العراق.
في غضون ذلك، كشف مسؤول عراقي كبير عن اعتقاد سائد بأن توم براك، سفير الولايات المتحدة لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سورية، قد يتولى حقيبة العراق في وزارة الخارجية. هذه الخطوة، إن تمت، قد تشير إلى رغبة أمريكية في دمج بعض الملفات الإقليمية أو على الأقل تنسيقها بشكل أوثق، نظراً للترابط بين الأوضاع في سورية والعراق وتركيا. براك كان قد سافر إلى أربيل هذا الأسبوع للقاء قوات سورية الديمقراطية، مما يعزز التكهنات حول دوره الموسع المحتمل.
يذكر أنه حتى يوم الخميس الماضي، لم يعد حساب سافايا على منصة «إكس» متاحاً بعد أن كان نشطاً حتى وقت قريب. وكان سافايا قد نفى في اليوم نفسه أي تغيير في منصبه، مؤكداً أنه لا يزال يعمل على استكمال الإجراءات الإدارية اللازمة لتوليه المنصب رسمياً، ومتوقعاً إتمام هذه العملية قريباً. هذا التناقض بين تصريحاته والواقع يؤكد حالة الغموض التي تحيط بملف رحيله.


