spot_img

ذات صلة

دراسة تكشف أخطر أمراض الأطفال والمراهقين في السعودية

صحة الأطفال في السعودية

في خطوة علمية رائدة تسلط الضوء على واقع صحة الأجيال القادمة، كشفت دراسة علمية دولية حديثة عن تحديات صحية بالغة الأهمية تواجه الأطفال والمراهقين في المملكة العربية السعودية. الدراسة، التي تُعد مراجعة منهجية واسعة النطاق، أكدت أن الحوادث المرورية تمثل السبب الأول للوفيات بين الأطفال في الفئة العمرية من 5 إلى 14 عاماً، مساهمة بنسبة تصل إلى 25% من إجمالي الوفيات المسجلة لهذه الفئة العمرية الحيوية، وذلك استناداً إلى بيانات وطنية دقيقة خضعت لتحليل معمق.

السياق العام وأهمية دراسات صحة الأطفال في السعودية

تأتي هذه الدراسة في وقت تشهد فيه المملكة العربية السعودية تحولات تنموية كبرى ضمن رؤية 2030، التي تضع جودة الحياة وصحة المجتمع في صلب أولوياتها. ومع وجود نسبة كبيرة من السكان من فئة الشباب والأطفال، يصبح فهم التحديات الصحية التي تواجههم أمراً بالغ الأهمية لتوجيه السياسات الصحية وتخصيص الموارد بفعالية. تاريخياً، شهدت السعودية تطوراً ملحوظاً في قطاع الرعاية الصحية، من التركيز على الأمراض المعدية إلى التحديات الصحية الحديثة المرتبطة بنمط الحياة والتغيرات الاجتماعية. هذه الدراسة تمثل حجر زاوية في هذا التوجه، حيث توفر قاعدة بيانات موثوقة لاتخاذ قرارات مستنيرة.

تفاصيل الدراسة ومنهجيتها العلمية

حملت الدراسة عنوان «صحة الأطفال والمراهقين في سن الدراسة في السعودية: مراجعة منهجية»، ونُشرت في مجلة بي إم سي للصحة العامة المرموقة التابعة لمجموعة سبرنغر نيتشر العلمية الدولية، بعد خضوعها لمراجعة محكّمة دقيقة. وقد استندت الدراسة إلى تحليل شامل لـ 21 دراسة وطنية سابقة، تناولت الحالة الصحية للأطفال والمراهقين في الفئة العمرية من 5 إلى 19 عاماً داخل المملكة. هذا النهج المنهجي يضمن موثوقية النتائج وقابليتها للتعميم.

تعاون بحثي سعودي دولي لتعزيز الصحة العامة

أُعدّت الدراسة بواسطة فريق بحثي متميز ضم 9 باحثين، منهم 6 باحثين سعوديين يمثلون جهات وطنية أكاديمية وصحية رائدة. وشمل الفريق من الجانب السعودي كلاً من غدير الجريّبان، وريم فهد السكايت، ونورة الكنّال، ومريم محمد حمزة، وأمل الرويلي، إلى جانب 3 باحثين من جهات بحثية دولية مرموقة. هذا التعاون البحثي يعكس التزام المملكة بتعزيز الشراكات العلمية الدولية والاستفادة من الخبرات العالمية في معالجة قضايا الصحة العامة الملحة، مما يثري البحث العلمي ويساهم في بناء قدرات وطنية متخصصة.

الاضطرابات النفسية: عبء صحي متزايد

لم تقتصر نتائج الدراسة على التحديات الجسدية، بل كشفت أيضاً أن الاضطرابات النفسية تمثل العبء الصحي الأكبر بين الأطفال والمراهقين في السعودية. فقد ساهمت هذه الاضطرابات بنسبة 19٪ من إجمالي سنوات العمر المصححة باحتساب الإعاقة (DALYs) لدى الفئة العمرية من 15 إلى 19 عاماً، وسجلت النسبة نفسها تقريباً لدى الأطفال من 5 إلى 14 عاماً. هذه الأرقام مقلقة، خاصة مع إفادة 14٪ من المراهقين بشعور دائم بالحزن أو الاكتئاب، بينما أبلغ 7٪ عن أعراض القلق. هذه النتائج تدق ناقوس الخطر حول الحاجة الملحة لتعزيز خدمات الصحة النفسية للأطفال والمراهقين، وكسر وصمة العار المرتبطة بها، وتوفير الدعم النفسي في المدارس والمجتمعات.

تحديات السمنة ومشكلات الإبصار

وفيما يتعلق بالصحة الجسدية، بيّنت الدراسة أن معدلات السمنة بين الأطفال والمراهقين في السعودية شهدت تذبذباً، حيث بلغت 16٪ في عام 2011، ثم تراجعت إلى 12٪ في عام 2013، وانخفضت بشكل ملحوظ إلى 4٪ في عام 2019. في المقابل، تراوحت نسبة زيادة الوزن بين 6٪ و10٪ لدى الفئة العمرية من 6 إلى 16 عاماً، مع ملاحظة أن زيادة الوزن كانت أعلى لدى الإناث (12٪) مقارنة بالذكور (10٪). ورغم أن هذه النسب أقل من التقديرات العالمية، إلا أنها لا تزال تمثل مؤشراً صحياً يستدعي المتابعة المستمرة والتدخلات الوقائية. كما رصدت الدراسة انتشار مشكلات الإبصار، خصوصاً قصر النظر وأخطاء الانكسار البصري، بنسبة تراوحت بين 11٪ و15٪ بين الأطفال والمراهقين، وهي نسب توازي أو تتجاوز المتوسطات العالمية، مما يؤثر بشكل مباشر على الأداء الدراسي وجودة الحياة في حال غياب الفحص المبكر والعلاج المناسب.

صحة الفم والأسنان والربو: قضايا تستدعي الاهتمام

وفي جانب صحة الفم، كشفت النتائج أن تسوس الأسنان من أكثر المشكلات الصحية شيوعاً، حيث بلغت نسبته 39٪ لدى الأطفال وارتفعت إلى 63٪ لدى المراهقين. كما سُجلت التهابات اللثة الخفيفة بنسبة 21٪، والمتوسطة بنسبة تجاوزت 42٪، ما يعكس الحاجة الماسة إلى برامج توعية ووقاية مبكرة في المدارس والمنازل. أما بالنسبة للربو، فقد أظهرت الدراسة تبايناً واضحاً في معدلات الإصابة، إذ بلغت 3٪ وفق بيانات وطنية عامة، لكنها ارتفعت في بعض الدراسات الإقليمية إلى 28٪ بين الأطفال والمراهقين، مما يشير إلى فروقات جغرافية وبيئية تتطلب سياسات صحية موجهة ومخصصة.

التأثير المتوقع والتوصيات المستقبلية

إن هذه النتائج تحمل أهمية قصوى على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي. محلياً، توفر الدراسة أساساً متيناً لصناع القرار لوضع استراتيجيات صحية وطنية شاملة تستهدف هذه التحديات بشكل مباشر، من خلال تعزيز برامج السلامة المرورية، وتوسيع نطاق خدمات الصحة النفسية، وتكثيف حملات التوعية الغذائية والبدنية، وتوفير الفحوصات الدورية للعيون والأسنان في المدارس. إقليمياً، يمكن للمملكة أن تشارك هذه الخبرات مع دول المنطقة لمواجهة تحديات صحية مماثلة. دولياً، تساهم هذه الدراسة في إثراء المعرفة العالمية حول صحة الأطفال والمراهقين، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، وتؤكد على أهمية التعاون البحثي العابر للحدود. إن الاستثمار في صحة الأطفال والمراهقين اليوم هو استثمار في مستقبل الأمة وازدهارها.

spot_imgspot_img