spot_img

ذات صلة

الفن السعودي الحديث: معرض بدايات يوثق حقبة ذهبية بالرياض

يستضيف المتحف الوطني السعودي في الرياض حالياً معرضاً فنياً استثنائياً بعنوان «بدايات.. بدايات الحركة الفنية السعودية»، الذي تنظمه هيئة الفنون البصرية. يُعد هذا المعرض بمثابة نافذة تاريخية فريدة ترصد وتوثق المراحل التأسيسية لتشكل الفن الحديث في المملكة العربية السعودية، مقدماً للجمهور رحلة بصرية غنية عبر عقود من الإبداع والابتكار.

يضم المعرض مجموعة مذهلة تتجاوز 250 عملاً فنياً، أبدعها 73 فناناً وفنانة من الرواد الأوائل للحركة الفنية السعودية. تغطي هذه الأعمال فترة زمنية محورية تمتد من ستينات القرن العشرين وحتى ثمانينياته، وهي حقبة شهدت تحولات ثقافية واجتماعية عميقة في المملكة، انعكست بوضوح على المشهد الفني. في هذه المرحلة، بدأت التجارب الفنية الحديثة والتجريدية في الظهور بقوة، لتشكل ملامح المشهد التشكيلي المحلي وتضع أسسه الراسخة.

ولفهم عمق هذه «البدايات»، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي الأوسع. فقبل ستينات القرن الماضي، كانت أشكال التعبير الفني في المملكة تتجلى بشكل أساسي في الفنون التقليدية كالحرف اليدوية، والخط العربي، والزخرفة الإسلامية. ومع بداية النهضة التعليمية والثقافية في منتصف القرن العشرين، بدأت تظهر ملامح اهتمام بالفنون التشكيلية الحديثة، مدفوعة بعودة فنانين سعوديين درسوا الفن في الخارج، وتأسيس معاهد تعليمية ومراكز ثقافية أولية. كانت الستينات بمثابة نقطة تحول حاسمة، حيث بدأت المدارس الفنية الرسمية في الظهور، مما وفر بيئة خصبة لنمو المواهب وتشكيل تيار فني مستقل.

لا يقتصر المعرض على عرض الأعمال الفنية فحسب، بل يثري التجربة بمواد أرشيفية نادرة، تتيح للباحثين والمهتمين قراءات جديدة ومعمقة للسنوات التأسيسية للحركة الفنية الحديثة في المملكة. يقدم المعرض سياقاً متكاملاً يبرز التفاعل بين المبادرات الإبداعية الفردية للفنانين، ونمو البنية التحتية الثقافية، والدعم المؤسسي المتزايد الذي لعب دوراً حاسماً في ترسيخ قواعد الفن التشكيلي السعودي وتطويره.

وفي هذا الصدد، أكدت الأستاذة دينا أمين، الرئيس التنفيذي لهيئة الفنون البصرية، أن المعرض يقدم “صورة متكاملة لجهود الفنانين الرواد والداعمين الذين أسهموا في بناء الحركة الفنية السعودية”. وأوضحت أن المعرض يمثل فرصة لا تقدر بثمن للجمهور للتفاعل مع تاريخ بصري غني ومتنوع، ليكون مرجعاً حياً ومصدراً للإلهام للأجيال القادمة من الفنانين والمثقفين.

ينقسم المعرض إلى ثلاثة أقسام رئيسية مصممة بعناية لتقديم رؤية شاملة: يتناول القسم الأول جذور الحركة الفنية الحديثة وبدايات تعليم الفنون في المدارس السعودية، مسلطاً الضوء على الدور المحوري للمؤسسات التعليمية. أما القسم الثاني، فيركز على التيارات الفنية والموضوعات التي شكلت الإنتاج الفني في تلك المرحلة، مثل الطبيعة الساحرة، والمشهد الحضري والريفي، والحياة الاجتماعية اليومية، بالإضافة إلى الرموز التعبيرية التي حملت دلالات عميقة. بينما يسلط القسم الثالث الضوء على رواد الحداثة من الفنانين الذين أسهموا بشكل مباشر في تطوير المشهد الفني المبكر، ومن أبرزهم صفية بن زقر، وعبدالحليم رضوي، ومحمد السليم، ومنيرة موصلي، الذين تركوا بصمات لا تمحى في تاريخ الفن السعودي.

يُعد هذا المعرض العرض الافتتاحي لبرنامج بحثي موسع أطلقته هيئة الفنون البصرية واستمر لعامين كاملين، وشمل زيارات ميدانية مكثفة، وتقارير فنية دقيقة، ومقابلات توثيقية مع شخصيات فنية وثقافية بارزة. ويصاحب المعرض برنامج ثقافي غني يتضمن ورش عمل تفاعلية وجلسات نقاش معمقة، تهدف إلى إثراء التجربة الثقافية للزوار. كما سيتم لاحقاً إصدار كتاب علمي شامل وفيلم وثائقي، ليوثقا هذه الحقبة الفنية الهامة بشكل دائم.

تكمن أهمية هذا المعرض في كونه ليس مجرد استعراض لأعمال فنية، بل هو احتفاء بالهوية الثقافية السعودية وتأكيد على عمق جذورها الفنية. محلياً، يعزز المعرض الوعي بالتراث الفني الوطني ويسهم في بناء جسور التواصل بين الأجيال. إقليمياً ودولياً، يقدم المعرض صورة حية عن تطور الفن في المملكة، ويعكس التزام السعودية بتعزيز دورها كمركز ثقافي رائد ضمن رؤية 2030. إنه دعوة لاكتشاف كيف بدأت قصة الفن الحديث في المملكة، وكيف استمرت في التطور لتصبح جزءاً لا يتجزأ من المشهد الثقافي العالمي.

شارك في هذا المعرض التاريخي نخبة من الفنانين والفنانات الذين أثروا الساحة الفنية بأعمالهم الخالدة، ومنهم: إبراهيم الفصام، إبراهيم بوقس، أحمد عبدالعزيز الأعرج، أحمد الغامدي، أحمد المغلوث، أحمد السبت، أحمد الزهراني، أحمد فلمبان، أحمد طيب منشي، بدرية الناصر، بكر شيخون، تركي الدوسري، جميل الجفري، فيصل سمرة، كمال المعلم، حسن عبدالمجيد، حماد الجعيد، حمزة باجودة، خالد العبدان، خليل حسن خليل، سعد العبيد، محمد السليم، سعد المسعري، سعدون السعدون، سعود العيدي، سعود القحطاني، سليمان باجبع، سمير الدهام، صالح خطاب، صفية بن زقر، ضياء عزيز، طه الصبان، عبدالجبار اليحيا، عبدالحليم رضوي، عبدالحميد البقشي، عبدالرحمن السليمان، عبدالستار الموسى، عبدالعزيز الحماد، عبدالله الشيخ، عبدالله إدريس، عبدالله الشلتي، عبدالله المرزوق، عبدالله حماس، عبدالله نواوي، عبده ياسين، عثمان الخزيم، علي الرزيزاء، علي الصفار، علي الغامدي، فهد الحجیلان، فهد الربيق، فؤاد مغربل، فيصل المشاري، محمد الأعجم، محمد الحمد، محمد الرصيص، محمد الصندل، محمد سيام، محمد راسم، محمد الصقعبي، محمد المنيف، محمد رضا وارس، محمد طاهر كردي، مفرح عسيري، منصور كردي، منيرة موصلي، مهدي راجح، ميرزا الصالح، نبيلة البسام، ناصر الموسى، نبيل نجدي، هشام بنجابي، يوسف جاها.

spot_imgspot_img