spot_img

ذات صلة

دور السعودية في اليمن: حماية الشرعية ووحدة الدولة

صورة توضيحية لدور السعودية في اليمن

في خضم التحديات الجسيمة التي تواجهها اليمن، تبرز المملكة العربية السعودية كشريك استراتيجي وحارس أمين للشرعية ووحدة الدولة اليمنية. هذا الدور المحوري، الذي أكده المستشار محمد العمدة، رئيس الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لمسؤولية تاريخية ثابتة تجاه الشعب اليمني الشقيق. فمقاربة الرياض للأزمة لم تكن يوماً انتقائية، بل انطلقت من رؤية راسخة تدعم الشرعية الدستورية، وتحافظ على مؤسسات الدولة، وتصون النسيج المجتمعي، وتغلب الحكمة والحوار على مسارات الفوضى والصراع.

تعود جذور الأزمة اليمنية الراهنة إلى انقلاب مليشيا الحوثي على الشرعية في أواخر عام 2014، وسيطرتها على العاصمة صنعاء، مما أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة وتهديد استقرار المنطقة بأسرها. استجابة لطلب مباشر من الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دولياً، قادت المملكة العربية السعودية تحالفاً عربياً في مارس 2015، أطلق عمليات “عاصفة الحزم” ثم “إعادة الأمل”. كان الهدف الأساسي لهذه العمليات هو استعادة الشرعية، ودعم الدولة اليمنية، ومنع تحول اليمن إلى بؤرة تهدد الأمن الإقليمي والدولي، وذلك في إطار من العلاقات التاريخية العميقة والمصالح الأمنية المشتركة.

وفي سياق جهودها لتعزيز الاستقرار، أشار العمدة إلى أن المؤتمر الجنوبي الجامع يمثل خطوة سياسية بالغة الأهمية. هذه المبادرة تعكس حرص الرياض على معالجة القضايا الحساسة بروح التوافق والمسؤولية، وإتاحة الفرصة لمختلف المكونات الجنوبية للتعبير عن رؤاها وتطلعاتها ضمن إطار وطني جامع، وتحت مظلة الشرعية ومؤسسات الدولة، بعيداً عن الإقصاء أو فرض الأمر الواقع. هذه الخطوة، متى ما اكتملت شروطها السياسية والوطنية، تمثل فرصة حقيقية لإعادة ضبط إيقاع المشهد السياسي في الجنوب، وفتح نافذة أمل لتجاوز حالة الاستقطاب والتوتر، وتعزيز فرص الاستقرار، وإعادة الاعتبار للمسار السياسي كخيار وحيد لبناء السلام المستدام.

الموقف السعودي الداعم للشرعية ليس موقفاً تكتيكياً عابراً، بل هو خيار استراتيجي أخلاقي وسياسي، ينطلق من قناعة راسخة بأن تقسيم الجمهورية اليمنية لا يهدد اليمنيين وحدهم، بل يفتح أبواب الفوضى على المنطقة بأكملها. إن الحفاظ على وحدة اليمن وسيادته يعتبر أمراً حيوياً للأمن القومي السعودي وأمن الممرات الملاحية الدولية في باب المندب والبحر الأحمر. ومن هذا المنطلق، دعمت المملكة الشرعية اليمنية بوصفها الإطار القانوني الوحيد القادر على حماية وحدة الدولة وصون القرار الوطني من الاختطاف، ومواجهة أي محاولات لزعزعة الاستقرار بدعم من قوى إقليمية تسعى لتوسيع نفوذها.

تقف الرياض بوضوح وحزم ضد أي كيانات مسلحة أو مشاريع موازية تحاول فرض واقع بالقوة أو تسويق نفسها كبدائل للدولة تحت عناوين زائفة. فالدولة هي الضامن الوحيد لوحدة اليمن، وأي مساس بها هو مساس مباشر بحق اليمنيين في وطن واحد وسيادة غير منقوصة. هذا الموقف الحاسم يهدف إلى منع تحول اليمن إلى ساحة للصراعات بالوكالة، والحفاظ على قدرته على مواجهة التحديات الأمنية والإنسانية.

في مرحلة لم يعد فيها الخطر مقتصراً على الانقلاب المسلح، بل تمدد ليشمل مشاريع تفكيك ناعمة وخشنة تُدار عبر مليشيات وأدوات تعمل وفق أجندات خارجية، لعبت المملكة دور صمام الأمان في منع هذه المشاريع من التحول إلى وقائع سياسية معترف بها. كان الموقف السعودي حاسماً: لا شرعية لمليشيا، ولا مستقبل لكيان خارج الدولة، ولا غطاء سياسياً لأي مشروع يستهدف وحدة اليمن، مهما حاول التلاعب بالعناوين أو استغلال المظالم. هذا الدور الوقائي للمملكة كان حاسماً في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار ومنع تفكك اليمن بشكل كامل.

لم تفصل المملكة بين السياسة والإنسان. فبينما استخدمت بعض الأطراف المعاناة الإنسانية كورقة ابتزاز سياسي، مضت السعودية في مسار إنساني واسع النطاق، عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية (KSrelief) وغيره من المبادرات. هدف هذه الجهود هو حماية المدنيين، وتخفيف الكارثة، ومنع استغلال الجوع والاحتياج لتمرير مشاريع التفكيك. فالحفاظ على كرامة الإنسان اليمني كان ولا يزال جزءاً أصيلاً من معركة الحفاظ على وحدة اليمن، لأن المجتمعات المنهكة هي الأكثر عرضة للاختراق والانقسام والاستغلال من قبل الأطراف التي تسعى لتقويض الدولة.

إن المقاربة السعودية تنطلق من حقيقة راسخة: وحدة اليمن لا تُفرض بالقوة، بل تُصان بالتوافق. لذلك دفعت المملكة باتجاه الحوار السياسي، وترتيب البيت اليمني من الداخل، وبناء شراكة وطنية واسعة تحت سقف الدولة والشرعية. وهي رؤية تدرك أن معالجة المظالم لا تكون بتفجير الدولة، بل بإصلاحها، وأن إنصاف أي مكون لا يمكن أن يكون على حساب وحدة الوطن. ومن هنا، فإن رعاية المملكة لأي حوار جنوبي تمثل ضمانة حقيقية لنجاحه ومصداقيته واستدامته؛ لأنها تنطلق من الحرص على أن تكون الحلول يمنية، نابعة من إرادة أبنائه، لا مفروضة عليهم ولا مرتهنة لأجندات خارجية.

رسالة المملكة إلى الداخل اليمني واضحة وحاسمة: الشرعية مظلة للجميع، والدولة بيت الجميع، وأي مشروع خارج هذا الإطار هو طريق مسدود. فتقسيم اليمن خط أحمر، وأي عبث بوحدته لن يُنتج استقراراً، بل صراعات ممتدة تهدد الأمن الإقليمي والدولي. وسط هذا المشهد المعقد، تثبت المملكة أنها ليست مجرد داعم سياسي، بل حارس لوحدة اليمن، وشريك صادق في معركته من أجل الدولة والسيادة والكرامة الإنسانية. وبينما تتهاوى مشاريع التفتيت تحت ثقل تناقضاتها، يبقى الرهان على دولة يمنية واحدة، موحدة، قادرة، مدعومة بإرادة وطنية صلبة، ومساندة إقليمية مسؤولة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.

spot_imgspot_img