دعوى قضائية تهز ثقة المستخدمين: هل يقرأ موظفو واتساب رسائلنا المشفرة؟
في تطور قضائي يثير قلقًا واسعًا، أعادت دعوى قضائية جديدة فتح ملف حساسية خصوصية المستخدمين على تطبيق واتساب، وتحديدًا مدى فعالية خاصية التشفير من طرف إلى طرف. فقد تقدم عدد من المدعين بدعوى ضد شركة ميتا، المالكة لواتساب، متهمين إياها بتضليل المستخدمين عبر الترويج لفكرة أن التشفير يمنع الشركة أو أي طرف ثالث من الاطلاع على الرسائل، بما في ذلك الصور ومقاطع الفيديو، في حين تزعم الدعوى أن الواقع قد يكون مختلفًا.
الخلفية التاريخية: صعود التشفير وثقة المستخدمين
لطالما كانت الخصوصية الرقمية محور اهتمام متزايد منذ فجر الإنترنت. ففي بدايات التواصل عبر الشبكة، كانت الرسائل غالبًا ما تُرسل بنص واضح، مما يجعلها عرضة للاعتراض والاطلاع عليها من قبل أطراف غير مصرح لها. ومع تزايد الوعي بالمخاطر الأمنية، خاصة بعد الكشف عن برامج المراقبة الحكومية في العقد الماضي، برز التشفير من طرف إلى طرف كحل أساسي لحماية الاتصالات. تبنى واتساب، الذي استحوذت عليه فيسبوك (ميتا حاليًا) في عام 2014، هذا المعيار الأمني الحيوي بشكل كامل في عام 2016، معتمدًا على بروتوكول سيجنال (Signal Protocol) المعروف بقوته. وقد كان هذا التبني بمثابة نقطة تحول، حيث عزز ثقة ملايين المستخدمين حول العالم في قدرة التطبيق على حماية محادثاتهم الشخصية من أعين المتطفلين، بما في ذلك الشركة نفسها.
ادعاءات خطيرة وردود فعل نارية
وبحسب ما ورد في نص الدعوى القضائية، فإن ميتا وواتساب يقومان بتخزين وتحليل، ويمكنهما عمليًا الوصول إلى جميع محادثات المستخدمين، وهو اتهام يضرب صميم وعود الخصوصية التي يعتمد عليها التطبيق منذ سنوات. وتزعم الدعوى، التي نقلت تفاصيلها وكالة بلومبرج، أن موظفي ميتا يمتلكون آلية داخلية تتيح لهم الوصول إلى محتوى محادثات واتساب، عبر إجراءات تتجاوز الرسائل التسويقية التي تؤكد استحالة ذلك. وتشير التقارير إلى أن بعض الموظفين، وفقًا للادعاءات، يمكنهم التقدم بطلب إلى مهندس داخل ميتا لسحب الرسائل في الوقت الفعلي باستخدام معرف المستخدم، وهو ما اعتبره المدعون انتهاكًا مباشرًا لثقة المستخدمين. في المقابل، نفت ميتا هذه الاتهامات بشكل قاطع، ووصفت الدعوى بأنها بلا أساس. وأكد متحدث باسم الشركة أن واتساب يستخدم تشفيرًا من طرف إلى طرف قائمًا على بروتوكول سيجنال منذ أكثر من عشر سنوات، معتبرًا أن ما ورد في الدعوى “خيال قانوني لا قيمة له”.
عمالقة التقنية يدخلون على الخط: ماسك ودوروف
أثارت هذه الادعاءات موجة تفاعل واسعة في الأوساط التقنية. فقد استغل إيلون ماسك، مالك منصة «إكس»، الفرصة للتشكيك في أمان واتساب، وكتب على منصته: «واتساب غير آمن، وحتى سيجنال قابل للتساؤل… استخدموا إكس شات»، مما ساهم في توسيع دائرة النقاش وتحويل القضية من نزاع قانوني إلى معركة مفتوحة حول مصداقية وعود التشفير في تطبيقات المراسلة. من جانبه، دخل مؤسس تيليجرام، بافل دوروف، على الخط، موجهًا انتقادات حادة لأمان واتساب، ومعتبرًا أن الاعتقاد بكون التطبيق آمنًا في عام 2026 هو أمر «غير منطقي». تعكس تصريحات دوروف فصلًا جديدًا من التنافس القديم بين تيليجرام وواتساب حول من يوفر حماية أقوى لخصوصية المستخدمين. في المقابل، رد رئيس واتساب، ويل كاثكارت، مؤكدًا أن المزاعم خاطئة تمامًا، وشدد على أن واتساب لا يمكنه قراءة الرسائل لأن مفاتيح التشفير محفوظة على هواتف المستخدمين أنفسهم، وأن الدعوى تهدف فقط إلى جذب الاهتمام الإعلامي دون سند تقني أو قانوني.
ما وراء التشفير: نقاط ضعف محتملة أخرى
من المهم الإشارة إلى أن التشفير من طرف إلى طرف، على الرغم من كونه حجر الزاوية في أمن الاتصالات، لا يغطي جميع جوانب الخصوصية. فخبراء الخصوصية يشيرون إلى وجود نقاط ضعف محتملة أخرى يمكن أن تعرض بيانات المستخدمين للخطر. وتشمل هذه النقاط النسخ الاحتياطية السحابية التي قد لا تكون مشفرة بنفس مستوى الرسائل، والرسائل المعاد توجيهها، وأنظمة الإبلاغ عن المحتوى التي قد تتطلب مراجعة بشرية، بالإضافة إلى بيانات التعريف (metadata) التي تشمل معلومات حول من تواصلت معه، وتوقيت ومكان التواصل، وحتى نوع الجهاز المستخدم. هذه البيانات، حتى لو لم تكشف عن محتوى الرسالة، يمكن أن تكشف الكثير عن سلوك المستخدم وعلاقاته.
تأثيرات واسعة النطاق: الثقة، التنظيم، ومستقبل الخصوصية
تتجاوز أهمية هذه الدعوى القضائية مجرد نزاع قانوني بين شركة ومستخدميها. فعلى الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، يمكن أن يكون لها تأثيرات عميقة. أولاً، تهز هذه الادعاءات ثقة المستخدمين في المنصات الرقمية التي يعتمدون عليها بشكل يومي، مما قد يدفعهم للبحث عن بدائل أو المطالبة بمزيد من الشفافية. ثانيًا، قد تزيد من التدقيق التنظيمي على شركات التكنولوجيا الكبرى، خاصة في ظل تزايد القوانين المتعلقة بحماية البيانات مثل اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) في أوروبا وقانون خصوصية المستهلك في كاليفورنيا (CCPA). قد تضطر الشركات إلى تقديم إثباتات أكثر وضوحًا لالتزامها بالخصوصية. ثالثًا، تعيد هذه القضية تسليط الضوء على التوازن الدقيق بين الخصوصية والأمن، وكيف يمكن للشركات أن تحمي بيانات المستخدمين مع الامتثال للمتطلبات القانونية المحتملة. إنها تذكير بأن معركة الخصوصية في العصر الرقمي مستمرة وتتطلب يقظة دائمة من المستخدمين والشركات على حد سواء.
نصائح لتعزيز خصوصيتك على واتساب
لتقليل المخاطر المحتملة وتعزيز الخصوصية، يُنصح المستخدمون باتخاذ خطوات استباقية. يجب التحقق من إعدادات النسخ الاحتياطي للتطبيق، ومراجعة ما يتم تخزينه في الخدمات السحابية مثل Google Drive أو iCloud، والتأكد من تفعيل خيار تشفير النسخ الاحتياطية من طرف إلى طرف إذا كان متاحًا، وهو ما يوفره واتساب بالفعل ويمكن تفعيله بسهولة من إعدادات التطبيق. كما يُنصح بتقليل مشاركة البيانات الحساسة عبر أي منصة، والوعي الدائم بأن كل تفاعل رقمي يترك أثرًا.


