اللورد بيتر ماندلسون يستقيل من حزب العمال البريطاني وسط فضيحة وثائق إبستين الجديدة
أعلن اللورد بيتر ماندلسون، أحد أبرز السياسيين التاريخيين في حزب العمال البريطاني ورجل الظل في عصر توني بلير، استقالته من عضوية الحزب، وذلك لتجنب إلحاق «مزيد من الإحراج» بالحزب الحاكم. يأتي هذا القرار على خلفية الكشف عن دفعة جديدة من وثائق جيفري إبستين التي أصدرتها وزارة العدل الأمريكية يوم الجمعة الماضي، والتي أعادت إشعال الجدل حول ارتباط شخصيات عامة رفيعة المستوى بالملياردير المدان.
السياق العام: الظل الطويل لفضيحة جيفري إبستين
تُعد فضيحة جيفري إبستين، الممول الأمريكي المدان بجرائم الاعتداء الجنسي والاتجار بالبشر، واحدة من أكثر الفضائح إثارة للصدمة في العصر الحديث. فقد كشف إبستين، الذي توفي في السجن عام 2019، عن شبكة واسعة من العلاقات مع شخصيات نافذة في عالم السياسة والأعمال والفن، مستغلاً ثروته ونفوذه لتسهيل استغلال القاصرات جنسياً. أثارت وفاته الغامضة تساؤلات كثيرة، وما زالت عملية الكشف عن الوثائق المتعلقة بقضيته مستمرة، لتكشف تباعاً عن أسماء جديدة وتفاصيل صادمة، مؤكدة أن تداعيات هذه الفضيحة تتجاوز الحدود الجغرافية وتطال أعلى المستويات الاجتماعية والسياسية.
بيتر ماندلسون: مسيرة سياسية حافلة
يُعد بيتر ماندلسون شخصية محورية في تاريخ حزب العمال البريطاني الحديث. كان أحد مهندسي حركة «العمال الجدد» التي قادها توني بلير، ولعب دوراً حاسماً في صياغة استراتيجية الحزب التي قادته إلى فوز ساحق في انتخابات عام 1997. شغل ماندلسون مناصب وزارية بارزة في حكومات بلير وبراون، بما في ذلك وزير التجارة والصناعة، ووزير أيرلندا الشمالية، ثم أصبح مفوضاً أوروبياً للتجارة. عُرف بذكائه السياسي الحاد وقدرته على إدارة الأزمات، مما جعله شخصية مؤثرة ولكن أيضاً مثيرة للجدل في المشهد السياسي البريطاني. إن ارتباط اسم شخصية بهذا الثقل بفضيحة إبستين يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى إرثه السياسي.
تفاصيل الوثائق الجديدة والادعاءات
تضمنت الوثائق الجديدة التي تُعد من أكبر دفعات الإفصاح حتى الآن، صوراً وكشوفات بنكية أثارت ضجة واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية البريطانية. كشفت السجلات المالية عن تحويلات بقيمة 75 ألف دولار من حسابات جيفري إبستين إلى حسابات مرتبطة بماندلسون وزوجِه رينالدو أفيلا دا سيلفا. تمت هذه التحويلات على ثلاث دفعات متساوية بقيمة 25 ألف دولار لكل منها خلال عامي 2003 و2004، وفق كشوف بنكية من بنك JP Morgan. كما شملت الوثائق صوراً شخصية غير مؤرخة تُظهر اللورد ماندلسون مرتديًا ملابس داخلية وهو يتحدث إلى امرأة لم تُكشف هويتها ووجهها محجوب من قبل السلطات الأمريكية. بالإضافة إلى ذلك، كشفت مراسلات سابقة عن طلب زوج ماندلسون من إبستين تمويل دورة علاج طبيعي بقيمة 10 آلاف جنيه إسترليني في عام 2009، وهو ما استجاب له إبستين.
رد ماندلسون وتداعيات الاستقالة
في رسالة وجهها إلى الأمين العام لحزب العمال، هولي ريدلي، قال ماندلسون (72 عامًا): «لقد ارتبط اسمي مجددًا هذا الأسبوع بالجدل المفهوم المحيط بجيفري إبستين، وأشعر بالأسف والندم العميق على ذلك». وأضاف: «بينما أقوم بالتحقيق الشخصي في الادعاءات التي أعتقد أنها كاذبة بشأن مدفوعات مالية مزعومة تلقيتها قبل عشرين عامًا ولا أملك أي سجل أو تذكر لها، فإنني لا أرغب في أن أتسبب في مزيد من الإحراج لحزب العمال، وعليه فإنني أتنحى عن عضويتي في الحزب». نفى ماندلسون مجددًا علمه بتلك التحويلات المالية أو صحة الوثائق، مؤكدًا أنه يعتزم التحقيق الشخصي فيها، كما كرر ندمه الشديد على معرفته بإبستين مطلقًا.
الأهمية والتأثير المتوقع
تأتي استقالة اللورد ماندلسون في وقت حساس بالنسبة لحزب العمال البريطاني، الذي يتصدر استطلاعات الرأي ويستعد لانتخابات عامة وشيكة. على الرغم من أن ماندلسون لم يعد في الخطوط الأمامية للسياسة، إلا أن اسمه لا يزال يحمل ثقلاً تاريخياً، وارتباطه بفضيحة بهذا الحجم يمكن أن يسبب إحراجاً للحزب ويمنح خصومه السياسيين فرصة للانتقاد. على الصعيد الإقليمي والدولي، تعزز هذه الواقعة فكرة أن فضيحة إبستين لا تزال قادرة على إسقاط شخصيات بارزة، وتؤكد على المطالب المستمرة بالشفافية والمساءلة من قبل النخب السياسية والاقتصادية. إن استمرار الكشف عن الوثائق يضمن أن تداعيات هذه القضية ستظل تتردد أصداؤها في الأوساط العامة والسياسية لسنوات قادمة، مما يعكس أهمية الضغط العام والإعلامي في كشف الحقائق ومحاسبة المتورطين.


