spot_img

ذات صلة

الإعلام وأخلاقيات المهنة: تحديات العصر الرقمي والمصداقية

image

لطالما حظيت مهنة الإعلام بمكانة مرموقة في المجتمعات، حيث عُدّت “السلطة الرابعة” وحارسة للحقيقة، ومنبراً لتشكيل الرأي العام. هذا الدور المحوري منحها سحراً وبريقاً خاصاً، وجعلها محط أنظار الطامحين إلى التأثير والتغيير. تاريخياً، تطورت وسائل الإعلام من الصحافة المطبوعة إلى الإذاعة والتلفزيون، وصولاً إلى العصر الرقمي الذي أحدث ثورة في طريقة تداول المعلومات. ومع هذا التطور، تزايدت أعداد الساعين لنيل لقب “إعلامي”، مدفوعين بجاذبية المهنة وقدرتها على الوصول إلى الجماهير. إلا أن هذا التكالب غير المنظم، خاصة في ظل سهولة النشر الرقمي، بدأ يؤثر سلباً على جوهر المهنة، ويهدد جودة المحتوى ومصداقيته، مما يخل بالمعايير الأخلاقية التي لطالما كانت ركيزة رسالة الإعلام النبيلة.

إن أحد أبرز الأسباب وراء هذا التضخم في أعداد “الإعلاميين” يكمن في التحول الرقمي الهائل وانتهاء عصر مركزية النشر. ففي الماضي، كانت عملية إيصال الخبر تتطلب مؤسسات ضخمة، تراخيص، وميزانيات كبيرة، وفرق عمل متخصصة. أما اليوم، ومع انتشار الهواتف الذكية المزودة بكاميرات عالية الجودة ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح بإمكان أي فرد أن يتحول إلى “ناقل للمعلومة” دون الحاجة إلى موافقة مسبقة، أو قيود مالية، أو هياكل تنظيمية. هذا التحرر من القيود التقليدية، وإن كان قد فتح آفاقاً جديدة لحرية التعبير و”صحافة المواطن”، إلا أنه أفرز تحديات جسيمة تتعلق بالمسؤولية والمصداقية، حيث بات كل فرد قادراً على نشر ما يشاء، دون رقيب أو حسيب في كثير من الأحيان.

في خضم هذه الثورة المعلوماتية، يبرز تحدٍ محوري يتمثل في ضرورة تقنين المصطلحات وتحديد الهوية المهنية للإعلامي الحقيقي. فلكي يستعيد الإعلام مكانته ويحافظ على مصداقيته، يجب أن يكون الممارس لهذه المهنة تحت مظلة مؤسسية واضحة، سواء كانت صحيفة، قناة تلفزيونية، إذاعة، أو منصة إعلامية رقمية ملتزمة بالمعايير المهنية. هذه المؤسسات لا تقتصر مهمتها على تأطير النشاط الإعلامي وحفظ حقوق العاملين فيه فحسب، بل تمتد لتشمل مساءلتهم عند أي تجاوزات أخلاقية أو مهنية. إن غياب هذا الإطار التنظيمي يجعل من الصعب التمييز بين الإعلامي المحترف وبين مجرد ناشر للمحتوى، مما يفتح الباب أمام الفوضى وتضارب المعلومات.

من الملاحظ أن شريحة واسعة ممن يدّعون الانتماء إلى حقل الإعلام اليوم يفتقرون إلى التخصص الأكاديمي أو الخبرة العملية اللازمة. هؤلاء أقرب إلى فئة من الجمهور العام الذين يعرضون محتواهم في سوق مفتوحة تتلقف كل شيء، بغض النظر عن جودته أو مصداقيته. هذا الوضع يؤدي إلى تحول الجمهور نفسه إلى “حكام” على المحتوى، بل ويتصورون أنفسهم شركاء فاعلين في صناعة الرأي العام وتوجيهه، في حين أن الغالبية العظمى تقع في فخ الاستهلاك السلبي للمعلومات، دون تمحيص أو تدقيق. هذا المشهد يهدد بتآكل الثقة في المصادر الإخبارية التقليدية، ويسهم في انتشار الأخبار الكاذبة والشائعات، مما يؤثر سلباً على الوعي المجتمعي ويصعب مهمة اتخاذ القرارات المستنيرة.

إن أخلاقيات المهنة تمثل الرأسمال الحقيقي للإعلامي، وهي أثمن بكثير من المكاسب المادية أو ملذات الشهرة الآنية. فالإعلام ليس مجرد رصف للكلمات أو نقل عشوائي للمعلومات، بل هو مجموعة من المهارات المتخصصة التي تتطلب حساً صحفياً عالياً، وإتقاناً للكتابة والتحرير، وقدرة على التحليل والتحقق. المتلقي لا يحترم المحتوى إلا إذا وثق بمصدره، ولا تتحقق الموثوقية إلا بالمصداقية، ولا تترسخ المصداقية إلا بوجود حوكمة قوية ومنظومة قيمية صارمة. هذه الحوكمة ضرورية لوضع حد للطائشين والعابثين والطارئين والمتطفلين على المهنة، الذين قد يكون ضررهم على المجتمع أكبر بكثير من أي نفع مزعوم. على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، يؤدي غياب هذه المعايير إلى تداعيات خطيرة، من تضليل الرأي العام والتأثير على الانتخابات، إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وحتى التأثير على الصحة العامة في أوقات الأزمات. لذا، فإن تعزيز الإعلام الأخلاقي ليس مجرد خيار، بل ضرورة حتمية لبناء مجتمعات واعية ومستنيرة وقادرة على مواجهة تحديات العصر الرقمي بمسؤولية.

spot_imgspot_img