مصرف سورية المركزي يشدد على إدارة السيولة ويفرض عقوبات صارمة على المصارف المخالفة
في خطوة حاسمة تهدف إلى استعادة الثقة بالقطاع المصرفي ومعالجة أزمة السيولة المتفاقمة، أصدر حاكم مصرف سورية المركزي، الدكتور عبدالقادر الحصرية، توجيهات صارمة لإدارات المصارف العاملة في البلاد. طالب الحصرية بضرورة توجيه جميع الفروع لاتخاذ الإجراءات اللازمة لإدارة السيولة النقدية المتوفرة بشكل موضوعي وعادل، مؤكداً على تطبيق الجزاءات والعقوبات المنصوص عليها قانونياً بحق الفروع التي لا تلتزم بهذه التعليمات.
تلبية احتياجات المواطنين وتعزيز الثقة
جاءت هذه التوجيهات استجابةً لعدد كبير من التساؤلات والشكاوى التي وردت إلى المصرف المركزي بخصوص عدم قدرة عدد من المواطنين على تلبية طلباتهم من السحوبات النقدية من حساباتهم المصرفية. وأوضح الحصرية أن تعزيز الثقة بالقطاع المصرفي يمثل الركيزة الأساسية لتوفير السيولة اللازمة في الاقتصاد السوري، وهو ما يتطلب التزاماً كاملاً من جميع المؤسسات المصرفية.
وشدد الحاكم على أهمية تلبية أكبر عدد ممكن من طلبات المودعين المتعلقة بالسحوبات النقدية، سواء كانت الودائع قد تمت قبل أو بعد تاريخ 7 مايو 2025. كما أكد على الأولوية المطلقة لدفع الرواتب المستحقة للمواطنين، سواء كانت “قديمة أو جديدة”، لضمان استمرارية الحياة اليومية للمواطنين وتخفيف الأعباء المعيشية عنهم.
السياق الاقتصادي والتحديات الراهنة
تأتي هذه الإجراءات في ظل ظروف اقتصادية استثنائية تمر بها سورية منذ أكثر من عقد، حيث أدت سنوات الصراع والعقوبات الدولية المفروضة إلى تدهور كبير في البنية التحتية الاقتصادية وتراجع حاد في قيمة الليرة السورية. وقد أثرت هذه العوامل بشكل مباشر على القطاع المصرفي، مما أدى إلى تآكل الثقة بين المواطنين والمصارف. فمع تزايد معدلات التضخم وارتفاع الأسعار، يفضل الكثيرون الاحتفاظ بأموالهم خارج النظام المصرفي، مما يفاقم من مشكلة شح السيولة ويضع ضغوطاً إضافية على المصارف لتلبية طلبات السحب.
إن غياب الثقة يدفع المواطنين إلى سحب أموالهم أو عدم إيداعها من الأساس، مما يخلق حلقة مفرغة من نقص السيولة. لذا، فإن مبادرة المصرف المركزي هذه ليست مجرد إجراء إداري، بل هي محاولة لإعادة بناء جسور الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسة المالية، وهي خطوة ضرورية لاستقرار أي اقتصاد.
الأهمية والتأثير المتوقع
تكتسب هذه التعليمات أهمية بالغة على الصعيد المحلي، حيث تهدف إلى تحقيق استقرار نسبي في التعاملات المصرفية اليومية للمواطنين والشركات. من خلال ضمان توفر السيولة وتلبية طلبات السحب، يسعى المصرف المركزي إلى تخفيف الضغط على الأفراد الذين يعتمدون على حساباتهم لتغطية نفقاتهم الأساسية. كما أن إعطاء الأولوية لدفع الرواتب يعكس التزاماً بتأمين الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي للموظفين.
على المدى الأطول، يمكن أن تسهم هذه الإجراءات، إذا ما تم تطبيقها بفعالية، في إعادة جزء من الأموال المتداولة خارج النظام المصرفي إلى قنواتها الرسمية، مما يعزز من قدرة المصارف على تمويل الأنشطة الاقتصادية. ورغم أن التأثير الإقليمي والدولي المباشر قد يكون محدوداً بسبب طبيعة العقوبات المفروضة على سورية، إلا أن استقرار القطاع المصرفي المحلي يعد حجر الزاوية لأي جهود مستقبلية لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، وقد يبعث برسالة إيجابية حول محاولات الحفاظ على الحد الأدنى من النظام المالي في البلاد.
التزام صارم وعقوبات رادعة
يؤكد المصرف المركزي على أن هذه التوجيهات ليست اختيارية، بل هي إلزامية، وأن أي تقصير أو مخالفة سيواجه بعقوبات صارمة وفقاً للقوانين والأنظمة المعمول بها. هذا التشدد يعكس جدية المصرف في معالجة الأزمة وضمان التزام جميع الأطراف، بهدف نهائي يتمثل في استعادة عافية القطاع المصرفي السوري ودوره الحيوي في دعم الاقتصاد الوطني.


