في خطوة تاريخية تعكس عمق العلاقات المتجددة بين البلدين، وقعت المملكة العربية السعودية وجمهورية تركيا اتفاقية حكومية محورية بشأن مشاريع محطات توليد الكهرباء من الطاقة المتجددة. جاء هذا التوقيع الهام خلال الزيارة الرسمية التي قام بها فخامة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المملكة، مؤكداً على التزام القيادتين بتعزيز التعاون الثنائي وتوطيد الشراكة الاستراتيجية في قطاع الطاقة، الذي يعد ركيزة أساسية للتنمية المستدامة.
وقد شهد مراسم التوقيع معالي وزير الطاقة السعودي، الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز، ونظيره التركي، وزير الطاقة والموارد الطبيعية، ألب أرسلان بيرقدار. هذه الاتفاقية لا تمثل مجرد صفقة تجارية، بل هي تجسيد لرؤية مشتركة نحو مستقبل طاقوي أكثر استدامة وأمناً، وتأتي في سياق عالمي يتجه بقوة نحو مصادر الطاقة النظيفة لمواجهة تحديات التغير المناخي.
تهدف الاتفاقية إلى دفع عجلة التعاون بين الرياض وأنقرة في مجالات الطاقة المتجددة والتقنيات الخضراء المبتكرة. كما تسعى لدعم وتطوير وتنفيذ مشاريع عالية الجودة تسهم بفعالية في تنويع مزيج الطاقة لكلا البلدين، وتعزيز أمن الطاقة لديهما، وتسريع وتيرة التحول نحو اقتصادات منخفضة الكربون. هذه الأهداف تتماشى تماماً مع الأولويات الوطنية والاستراتيجيات الطموحة لكل من المملكة، ممثلة في رؤية 2030 ومبادرة السعودية الخضراء، وتركيا التي تسعى لتقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري المستورد.
تتضمن الاتفاقية خططاً طموحة لتطوير وتنفيذ مشاريع محطات للطاقة الشمسية في جمهورية تركيا، بقدرة إجمالية مركبة تصل إلى 5000 ميجاواط. سيتم تنفيذ هذه المشاريع على مرحلتين استراتيجيتين. تشمل المرحلة الأولى مشروعين للطاقة الشمسية في مدينتي سيواس وكرمان، بقدرة إجمالية تبلغ 2000 ميجاواط. أما المرحلة الثانية، فستضم مشاريع إضافية تُنفذ وفقاً للأطر المتفق عليها بين الطرفين، بقدرة إضافية تبلغ 3000 ميجاواط، مما يعكس التزاماً طويل الأمد بهذه الشراكة.
من المتوقع أن توفر مشاريع المرحلة الأولى أسعاراً تنافسية للغاية لبيع الكهرباء، مما يجعلها خياراً اقتصادياً جذاباً مقارنة بمحطات الطاقة المتجددة الأخرى في تركيا. وبقيمة استثمارية تقدر بنحو ملياري دولار أمريكي، ستلعب هذه المحطات دوراً حيوياً في توفير الكهرباء لأكثر من مليوني أسرة تركية، مما يعزز من جودة الحياة ويدعم النمو الاقتصادي. كما ستلتزم شركة تركية مملوكة للدولة بشراء الكهرباء المولدة من هذه المحطات لمدة 30 عاماً، مما يضمن استقراراً مالياً وتشغيلياً للمشاريع. علاوة على ذلك، سيتم تحقيق الاستفادة القصوى من المعدات والخدمات المحلية خلال مراحل تنفيذ المشاريع، مما يدعم الصناعة والاقتصاد التركي.
تأتي هذه الاتفاقية في سياق التقارب الدبلوماسي والاقتصادي المتزايد بين المملكة العربية السعودية وتركيا بعد فترة من التوتر. فمنذ عام 2021، شهدت العلاقات تحسناً ملحوظاً توج بزيارات متبادلة رفيعة المستوى، كان آخرها زيارة الرئيس أردوغان. هذا التقارب يفتح آفاقاً واسعة للتعاون في مختلف القطاعات، وتعد الطاقة المتجددة أحد أبرز هذه المجالات نظراً لأهميتها الاستراتيجية والاقتصادية والبيئية لكلا البلدين وللمنطقة ككل.
أكد الجانبان أن هذا الاتفاق يمثل خطوة نوعية ومهمة نحو تعزيز الشراكة الاستثمارية بين المملكة العربية السعودية وجمهورية تركيا. كما أنه يعكس الثقة المتبادلة والالتزام المشترك بتوسيع التعاون في المشاريع الاستراتيجية التي تحمل أثراً اقتصادياً وتنموياً مستداماً. ومن خلال تطبيق أفضل الممارسات الدولية، ستسهم هذه الشراكة في نقل المعرفة وبناء القدرات وتحقيق المنافع المتبادلة لكلا البلدين الشقيقين، مما يعزز من مكانتهما كقوتين إقليميتين فاعلتين في مسيرة التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
إن تأثير هذه الاتفاقية يتجاوز الحدود المحلية، ليشمل الأبعاد الإقليمية والدولية. فعلى الصعيد الإقليمي، تعزز هذه الشراكة الاستقرار والتعاون الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط، وتقدم نموذجاً يحتذى به للدول الأخرى في مجال الاستثمار في الطاقة المتجددة. أما على الصعيد الدولي، فإن مساهمة دولتين بحجم السعودية وتركيا في مشاريع بهذا الحجم تدعم الجهود العالمية لمكافحة التغير المناخي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، مما يؤكد على دورهما المحوري في تشكيل مستقبل الطاقة العالمي.


