spot_img

ذات صلة

التحكيم في السعودية: إصلاحات عدلية لتعزيز الاستثمار

أكد معالي وزير العدل الدكتور وليد محمد الصمعاني أن المملكة العربية السعودية تشهد تحولاً نوعياً في منظومتها العدلية، حيث أسهمت التطورات التشريعية والإجرائية المتسارعة في ترسيخ مكانة التحكيم وبدائل تسوية المنازعات كخيارات فاعلة وموثوقة ضمن هذه المنظومة. جاء ذلك خلال مشاركته البارزة في المؤتمر الدولي الخامس للتحكيم التجاري، ضمن الجلسة الحوارية الأولى التي حملت عنواناً استراتيجياً: «الاستراتيجية الوطنية والثقة العالمية: تعزيز اليقين القانوني وثقة المستثمرين من خلال استراتيجيات المملكة القانونية والقضائية والمالية والتجارية المتسقة».

تأتي هذه الجهود في سياق رؤية المملكة 2030 الطموحة، التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وجذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية. فلبناء بيئة استثمارية جاذبة ومستقرة، كان لابد من تطوير إطار قانوني وقضائي يدعم هذه الأهداف. وقد أوضح وزير العدل أن التكامل المحكم بين المسارات القانونية والقضائية والمالية والتجارية قد ساهم بشكل مباشر في بناء هذه البيئة الموثوقة. ويُعد وضوح الأنظمة وفاعلية المرفق العدلي في دعم التحكيم وتنفيذ أحكامه، بما في ذلك توحيد اختصاص التنفيذ، ركيزة أساسية لتعزيز اليقين القانوني الذي يبحث عنه المستثمرون، مما يقلل من المخاطر ويشجع على ضخ المزيد من رؤوس الأموال.

وتعكس الأرقام الملموسة مدى النجاح المحقق في هذا المجال، حيث بيّن الوزير الصمعاني أن منظومة تنفيذ أحكام التحكيم سجلت نمواً ملحوظاً بنسبة 43% خلال عام 2025، وشكّل التحكيم التجاري منها نسبة 50%. هذه الإحصائيات ليست مجرد أرقام، بل هي مؤشر قوي على تزايد ثقة المستثمرين وقطاع الأعمال في مسار التحكيم كآلية فعالة لحل النزاعات، مما يعزز سمعة المملكة كوجهة استثمارية آمنة وموثوقة على الصعيدين الإقليمي والدولي. كما أنشأت المملكة مراكز متخصصة مثل المركز السعودي للتحكيم التجاري (SCCA) لتقديم خدمات تحكيم احترافية وفقاً لأفضل الممارسات العالمية، مما يدعم هذا التوجه ويضع المملكة في مصاف الدول الرائدة في هذا المجال.

ولم تتوقف جهود وزارة العدل عند هذا الحد، بل أكد الوزير الصمعاني أن الوزارة ماضية قدماً في التوسع في تطبيق منظومة العدالة الوقائية. وقد تجلى ذلك في توثيق أكثر من مليون عقد إلكتروني استفاد منها ما يزيد عن 1.2 مليون مستفيد. هذا التوسع يعكس حجم الطلب المتنامي على أدوات العدالة الوقائية، ويؤكد الحاجة إلى تعزيزها بما يدعم الاستقرار التعاقدي ويُسهم في بناء بيئة أعمال واستثمار أكثر أماناً وشفافية، ويقلل من فرص نشوء النزاعات مستقبلاً، مما يعود بالنفع على الاقتصاد الوطني ككل.

وفي سياق متصل، سلط رئيس هيئة الخبراء، الأستاذ محمد سليمان العجاجي، الضوء على جوانب أخرى من الإصلاحات العدلية خلال مشاركته في جلسة حوارية. فقد أكد أن نظام المعاملات المدنية الجديد ساهم بشكل كبير في الحد من بطلان وإلغاء العقود، وجعلها في أضيق نطاق ممكن، مما عزز الحرية التعاقدية للأفراد والشركات. وأشار إلى التحول الاستراتيجي من المحاكم العامة إلى المحاكم المتخصصة، مثل المحاكم التجارية والعمالية والجزائية، مع الإشارة إلى أن المحاكم المالية حالياً تحت الدراسة، وهو ما يعكس التوجه نحو قضاء أكثر كفاءة وتخصصاً يلبي احتياجات القطاعات المختلفة.

وأضاف العجاجي أن وضوح قواعد الإثبات عالج إشكاليات تفاوت الأدلة، وأسهم في طمأنة المستثمرين، مع منح الأطراف مساحة للاتفاق على قواعد خاصة للإثبات بما يتناسب مع طبيعة نزاعاتهم. وشدد على أن تطوير الأنظمة القضائية اعتمد على أفضل الممارسات العالمية، إلى جانب إعادة هيكلة القضاء، والتوسع في تخصص المحاكم، والانتقال من درجتين إلى ثلاث درجات للتقاضي، مما يعزز ضمانات العدالة ويضمن تحقيقها بأعلى مستويات الشفافية والنزاهة. هذه الإصلاحات الشاملة تضع المملكة في مصاف الدول الرائدة في مجال العدالة، وتدعم مكانتها كمركز مالي وتجاري عالمي جاذب للاستثمارات والخبرات.

spot_imgspot_img