شهدت الأسواق العالمية للمعادن النفيسة تحولاً دراماتيكياً خلال تعاملات جلسة اليوم (الجمعة)، حيث حلقت أسعار الفضة لتسجل أعلى مستوى لها على الإطلاق في المعاملات الفورية، ملامسة حاجز 54.53 دولار للأونصة. هذا الصعود القياسي لم يأتي من فراغ، بل جاء مدفوعاً بموجة من البيانات المقلقة حول مستويات المخزون العالمي، مما أثار شهية المستثمرين والمضاربين على حد سواء.
أزمة المخزونات في الصين وتأثيرها المباشر
تواجه سوق الفضة العالمية تحدياً هيكلياً جديداً يتمثل في نقص حاد في المعروض المادي، وتحديداً في الصين، التي تعد أحد أكبر المستهلكين للمعدن الأبيض في العالم. فقد كشفت البيانات الأخيرة عن هبوط المخزونات في المستودعات المرتبطة ببورصة شنغهاي للعقود المستقبلية إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2015. وبالتوازي مع ذلك، تراجعت أحجام التداول في بورصة شنغهاي للذهب إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ أكثر من 9 سنوات، مما يعكس حالة من الشح الحقيقي في المعدن المتاح للتسليم الفوري.
تحركات لإنقاذ الموقف في لندن
في محاولة لاحتواء هذا النقص وسد الفجوة بين العرض والطلب، رصدت تقارير شركات الوساطة عمليات شحن لكميات ضخمة من الفضة مؤخراً باتجاه بورصة لندن. تهدف هذه التحركات اللوجستية إلى تعزيز المخزونات في مركز تجارة المعادن العالمي والمساهمة في تخفيف ضغط نقص المعروض الذي كان المحرك الرئيسي لدفع الأسعار إلى هذا المستوى القياسي الجديد.
السياق الاقتصادي: لماذا الفضة الآن؟
تكتسب الفضة أهمية متزايدة تتجاوز كونها ملاذاً آمناً تقليدياً مثل الذهب. يعود جزء كبير من هذا الزخم إلى الطلب الصناعي المتنامي. تلعب الفضة دوراً محورياً في التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، حيث تعتبر عنصراً أساسياً في صناعة الألواح الشمسية (الخلايا الكهروضوئية) والسيارات الكهربائية، بالإضافة إلى استخداماتها الواسعة في الإلكترونيات وشبكات الجيل الخامس (5G). هذا الطلب الصناعي الصلب، المتزامن مع تعطل سلاسل الإمداد أو نقص المخزون، يخلق بيئة مثالية لارتفاع الأسعار.
التأثيرات المتوقعة محلياً وعالمياً
من المتوقع أن يلقي هذا الارتفاع بظلاله على عدة قطاعات؛ فعلى الصعيد الصناعي، قد يؤدي ارتفاع تكلفة المواد الخام إلى زيادة أسعار المنتجات النهائية التي تعتمد على الفضة، مثل الإلكترونيات ومعدات الطاقة الشمسية. أما استثمارياً، فإن كسر الفضة لحواجز تاريخية قد يعيد تشكيل المحافظ الاستثمارية، حيث يتجه المستثمرون لزيادة انكشافهم على المعادن كتحوط ضد التضخم وتقلبات العملات الورقية، مما قد يفتح الباب لمزيد من المكاسب السعرية في المدى المنظور إذا استمرت أزمة المعروض.


