لأول مرة منذ عام 2015، شهد اليمن تشكيل حكومة جديدة، وهي خطوة لاقت ارتياحاً شعبياً وسياسياً واسعاً، مصحوباً بآمال عريضة في مستقبل أفضل. تأتي هذه الحكومة، التي تضم وجوهاً جديدة وتشكيلة نوعية، في سياق معقد ومليء بالتحديات، لكنها تحمل في طياتها فرصة حقيقية لإعادة بناء الدولة وتحقيق الاستقرار المنشود.
خلفية تاريخية وسياق الأزمة
يعيش اليمن منذ عام 2014-2015 صراعاً مريراً بدأ بسيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء، مما أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة وتفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية. على مدى سنوات، انقسمت البلاد وتعددت مراكز القوى، بينما كانت الحكومة المعترف بها دولياً تواجه صعوبات جمة في بسط سيطرتها وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين. جاء تشكيل هذه الحكومة الجديدة، غالباً ما يكون نتيجة لاتفاقات سياسية مهمة مثل اتفاق الرياض الذي وقع في نوفمبر 2019 بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، بهدف توحيد الجهود لمواجهة التحديات المشتركة وإعادة تفعيل مؤسسات الدولة. هذا الاتفاق مثل خارطة طريق لإنهاء الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين وتشكيل حكومة كفاءات قادرة على العمل من أرض الواقع.
حكومة الكفاءات والوجوه الجديدة
تتألف الحكومة اليمنية الجديدة من 35 وزيراً، ومن اللافت للنظر أنها تضم ثلاث نساء في حقائب وزارية، وهي سابقة لم تحدث منذ “الانقلاب” عام 2015، مما يعكس توجهاً نحو إشراك أوسع للمرأة في الحياة السياسية. يضم التشكيل أيضاً 27 وجهاً جديداً، معظمهم من داخل المؤسسات الحكومية، ومعروفون بالكفاءة والتفاني في العمل، ويصفهم البعض بـ “دينامو المؤسسات”. يرى الإعلامي اليمني محمد الضبياني أن هذه الحكومة يجب أن تكون “حكومة قرارات وإنجازات”، لا مجرد إدارة للأزمة، وأن عليها إنهاء الاختلالات وتحرير الاتصالات وتعزيز الخدمات وتحقيق انسجام سياسي وتنفيذي يمنحها فرصة للعبور في الذاكرة الوطنية.
آمال شعبية وتطلعات نحو الإنجاز
تتطلع الأوساط الشعبية والسياسية والشبابية إلى أن تكون هذه الحكومة نقطة تحول حقيقية. المواطن اليمني، الذي عانى طويلاً من تدهور الخدمات الأساسية، لا يريد شعارات سياسية بل أفعالاً ملموسة. وقد أشار المسؤول الإعلامي في وزارة الشباب والرياضة، ماجد الطياشي، إلى أن أعضاء الحكومة، سواء القدامى أو الجدد، قادمون من صميم المؤسسات، وشاهد لهم بالكفاءة والحرص على تعزيز سلطة الدولة. وأكد أن المواطن البسيط لا يريد أقوالاً بل أفعالاً، مستشهداً بتحسن خدمات الكهرباء التي أصبحت تعمل 24 ساعة بدلاً من ساعتين في اليوم، بالإضافة إلى تحسن خدمات المياه وغيرها. هذا الرضا الشعبي عن عودة الخدمات يبعث على الثقة بأن الحكومة الجديدة ستنطلق من أرضية صلبة نحو البناء والتنمية وفتح أبواب الاستثمار.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
يمثل تشكيل هذه الحكومة أملاً في تحقيق استقرار محلي طال انتظاره، وتوحيد الجهود الوطنية لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، وفي مقدمتها استعادة المناطق التي لا تزال تحت سيطرة الحوثيين. على الصعيد الإقليمي، يعزز هذا التشكيل الشراكة الفاعلة مع المملكة العربية السعودية، التي طالما دعمت جهود الاستقرار في اليمن. كما يمكن أن يفتح الباب أمام دعم دولي أكبر لعملية السلام الشاملة، ويساهم في استقرار المنطقة بشكل عام، خاصة مع أهمية اليمن الاستراتيجية لممرات الملاحة الدولية. الناشطة سارة العريقي من تعز شددت على ضرورة أن تعمل الحكومة بكل طاقتها وتضع مصلحة المواطن الغلبان على رأس أولوياتها، مؤكدة أن النجاح اليوم لا يحتاج إلى معجزات بل إلى إدارة رشيدة وقرارات شجاعة لانتشال الوطن من الجحيم الذي أغرقه فيه الحوثي.
تحديات ومسؤوليات جسيمة
الباحث السياسي اليمني سامي الكاف يرى أن دعم هذه الحكومة هو موقف أخلاقي نابع من الإحساس بثقل المسؤولية، وأن رئيس الحكومة الدكتور معين عبدالملك سعيد تسلم منصبه في لحظة استقرار، مما يجعل الضرورة تتقدم على المثالية، ويصبح التعويل على حسن النية والعمل الجاد والوطني أمراً حتمياً. وأضاف أن دعم هذه الحكومة هو دعم لفكرة الدولة ذاتها، وأنها فرصة أخيرة لاستعادة الثقة عبر الأداء لا الخطابات. المحلل السياسي محمد المخلافي أكد أن ما يميز الحكومة الجديدة هو وضوح مركز القرار وانسجامه بين مجلس القيادة الرئاسي ورئاسة الحكومة، وهو شرط أساسي لأي إنجاز حقيقي بعد سنوات من التعطيل والتجاذب. هذه الحكومة أمامها مسؤوليات جسيمة تتمثل في تعزيز النجاحات التي تحققت في الخدمات مؤخراً، وتقديم نموذج يحتذى به في الإدارة الرشيدة والعمل المؤسسي، لتمهيد الطريق لمرحلة تنموية مستقرة تقاس بالأرقام والنتائج.


