في تطور قضائي وأمني بارز، أعلنت وزارة العدل الأمريكية عن إلقاء القبض على الليبي الزبير البكوش، المشتبه به الرئيسي في الهجوم الإرهابي الذي استهدف القنصلية الأمريكية في بنغازي بليبيا عام 2012، والذي أسفر عن مقتل السفير الأمريكي كريستوفر ستيفنز وثلاثة أمريكيين آخرين. يأتي هذا الإعلان ليؤكد التزام واشنطن بملاحقة المتورطين في هذا الهجوم الذي هز الرأي العام الدولي والمشهد السياسي الأمريكي.
تفاصيل عملية القبض والاتهامات الموجهة
كشفت المدعية العامة الأمريكية، بام بوندي، أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) نجح في القبض على البكوش، الذي يُعد أحد أبرز المتورطين في هجوم بنغازي. وقد وصل البكوش إلى قاعدة أندروز الجوية في الولايات المتحدة، حيث يخضع الآن للاحتجاز تمهيداً لمحاكمته. ويواجه البكوش تهماً خطيرة تتعلق بالقتل العمد، والشروع في القتل، والحرق العمد، والتآمر لدعم الإرهابيين، وهي تهم تعكس جسامة الجرائم المرتكبة في ذلك اليوم المشؤوم.
وقد بثت قناة “فوكس نيوز” الأمريكية لقطات حصرية تظهر وصول البكوش إلى قاعدة عسكرية في ولاية فرجينيا بالقرب من واشنطن. أظهرت اللقطات رجلاً مسناً ذا شعر رمادي ينزل بصعوبة من سلم الطائرة، قبل أن يتم نقله على نقالة، مما يشير إلى حالته الصحية أو ظروف نقله.
يُعد الزبير البكوش الشخص الثالث الذي يواجه تهماً جنائية مباشرة تتعلق بهذا الهجوم. سبق لواشنطن أن أدانت ليبيين آخرين لدورهما في الهجوم؛ حيث حُكم على أحمد أبو ختالة بالسجن 22 عاماً في عام 2018، وعلى مصطفى الإمام بالسجن قرابة 20 عاماً في عام 2020. كما قُتل مشتبه به آخر، هو علي العوني الحرزي، في غارة جوية بالعراق عام 2015، مما يؤكد الملاحقة المستمرة للمتورطين على مدى سنوات.
سياق الهجوم وتداعياته التاريخية
وقع الهجوم في 11 سبتمبر 2012، في ذكرى هجمات 11 سبتمبر الإرهابية في الولايات المتحدة، مما أضاف بعداً رمزياً مأساوياً للحدث. أسفر الهجوم عن مقتل السفير الأمريكي كريستوفر ستيفنز، وموظف تكنولوجيا المعلومات شون سميث، واثنين من متعاقدي وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) وهما تيرون وودز وغلين دوهرتي، وكلاهما من أفراد القوات الخاصة البحرية (Navy SEALs) السابقين. في البداية، اعتقد البعض أن الهجوم كان رد فعل عفوي على احتجاجات مناهضة لفيلم مسيء للإسلام، لكن التحقيقات اللاحقة أثبتت أنه كان هجوماً إرهابياً مخططاً له نفذته جماعات متطرفة، بعضها مرتبط بتنظيم القاعدة.
لفهم سياق هذا الهجوم، يجب العودة إلى الوضع في ليبيا بعد الإطاحة بنظام معمر القذافي في أكتوبر 2011. شهدت البلاد فراغاً أمنياً وسياسياً كبيراً، وانتشاراً واسعاً للسلاح، وتنامياً لنفوذ الميليشيات المسلحة والجماعات المتطرفة. أصبحت بنغازي، التي كانت مركزاً للثورة ضد القذافي، بؤرة لعدم الاستقرار، مما وفر بيئة خصبة للجماعات الإرهابية للعمل والتخطيط لهجمات ضد المصالح الغربية.
تأثير الهجوم على الساحة الدولية والسياسة الأمريكية
كان هجوم بنغازي صدمة كبيرة للولايات المتحدة، كونه أول هجوم يودي بحياة سفير أمريكي منذ عام 1979. أثار الحادث عاصفة سياسية داخل الولايات المتحدة، وأدى إلى سلسلة طويلة من التحقيقات في الكونغرس، تركزت بشكل خاص على الإجراءات الأمنية في المنشآت الدبلوماسية الأمريكية ودور إدارة الرئيس باراك أوباما ووزيرة الخارجية آنذاك هيلاري كلينتون. تحول الهجوم إلى قضية رئيسية في النقاشات السياسية الداخلية، وأثر بشكل كبير على مسيرة كلينتون الرئاسية في عام 2016.
على الصعيد الإقليمي، سلط الهجوم الضوء على التحديات الأمنية الهائلة التي تواجه دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط في أعقاب “الربيع العربي”، وكشف عن مدى ضعف الدول في السيطرة على أراضيها ومواجهة التهديدات الإرهابية المتزايدة. كما أكد على ضرورة تعزيز التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب وتأمين البعثات الدبلوماسية في المناطق المضطربة.
تؤكد عملية القبض على الزبير البكوش التزام الولايات المتحدة الثابت بملاحقة المسؤولين عن الهجمات ضد مواطنيها ومصالحها في جميع أنحاء العالم، وتقديمهم للعدالة مهما طال الزمن. هذه الخطوة تمثل انتصاراً للعدالة وتذكيراً بأن مرتكبي الأعمال الإرهابية لن يفلتوا من العقاب.


