يواصل البنك المركزي الصيني، بنك الشعب الصيني (PBOC)، توسيع سلسلة مشترياته من الذهب للشهر الثامن عشر على التوالي، مما يعكس قوة الطلب الرسمي المستمر على المعدن النفيس. يأتي هذا التوجه الاستراتيجي في وقت شهدت فيه موجة الصعود القياسي لأسعار السبائك تباطؤًا، مع تعرض الأسواق لعمليات بيع مكثفة في أواخر الشهر الماضي.
أظهرت البيانات الصادرة اليوم أن احتياطيات بنك الشعب الصيني من السبائك ارتفعت بنحو 40 ألف أوقية تروي خلال الشهر الماضي، في إطار أحدث جولة من عمليات شراء المعدن الأصفر التي بدأها البنك في نوفمبر 2022. هذه المشتريات المتواصلة تؤكد على الدور المحوري الذي يلعبه الذهب ضمن استراتيجية الصين لتنويع احتياطياتها الأجنبية.
تاريخيًا، لطالما اعتبر الذهب ملاذًا آمنًا ومخزنًا للقيمة، خاصة في أوقات عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي. بالنسبة لدولة بحجم الصين، فإن تراكم احتياطيات الذهب يمثل خطوة استراتيجية متعددة الأوجه. فهو يساعد على تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي، ويعزز الاستقرار المالي المحلي، ويوفر تحوطًا ضد التضخم وتقلبات العملات العالمية. هذه السياسة ليست بجديدة، فالبنوك المركزية حول العالم دأبت على استخدام الذهب كأداة لتعزيز الثقة في أنظمتها المالية وحماية اقتصاداتها من الصدمات الخارجية.
خلال شهر يناير الماضي، دفعت موجات من الاهتمام المضاربي أسعار الذهب والفضة إلى تسجيل مستويات قياسية متتالية. ورغم أن الأسواق شهدت تراجعًا حادًا في أواخر الشهر، واستعادت الأسعار جزءًا من خسائرها منذ ذلك الحين، إلا أن حالة الترقب لا تزال تهيمن على الأسواق مع إعادة المستثمرين تقييم مراكزهم بعد موجة الهبوط. ومع ذلك، فإن الطلب الرسمي المستمر من البنوك المركزية يوفر دعمًا قويًا لأسعار الذهب، ويؤكد على مكانته كأصل احتياطي أساسي.
وفقًا لبيانات مجلس الذهب العالمي، ارتفعت مشتريات البنوك المركزية العالمية، التي تُعد ركيزة أساسية في سوق الذهب، خلال الربع الأخير من عام 2023، لتزيد بذلك إجمالي المشتريات السنوية عن 860 طنًا. هذا المستوى المرتفع من الطلب من قبل المؤسسات الرسمية يعكس اتجاهًا عالميًا نحو إعادة تقييم إدارة الأصول الاحتياطية، مدفوعًا بمخاوف التضخم المستمرة، والمخاطر الجيوسياسية المتزايدة، والرغبة في تحقيق استقلالية نقدية أكبر.
على الصعيد المحلي، تساهم هذه المشتريات في تعزيز مكانة اليوان الصيني على الساحة الدولية وتوفير قاعدة أصول مادية لاقتصادها المتنامي. أما على الصعيد العالمي، فإن الطلب المستمر من لاعب رئيسي مثل الصين يؤثر حتمًا على أسعار الذهب العالمية، ويشير إلى شعور صعودي طويل الأجل تجاه المعدن، مما قد يؤثر على استراتيجيات الاستثمار للمؤسسات والأفراد على حد سواء. كما يسلط الضوء على تحول تدريجي في تكوين الأصول الاحتياطية العالمية، مما قد يتحدى هيمنة العملات الورقية على المدى الطويل.
إن استمرار بنك الشعب الصيني في شراء الذهب، حتى مع تباطؤ زخم الصعود، يؤكد على الدور الحيوي الذي يلعبه الذهب ضمن الاحتياطيات الرسمية. من المرجح أن يستمر هذا الاتجاه مع سعي البنوك المركزية حول العالم لتعزيز مراكزها المالية ضد الشكوك المستقبلية، مما يضمن بقاء الذهب مكونًا محوريًا في السياسة النقدية العالمية للمستقبل المنظور.


