شهدت سماء مدينة عرعر بمنطقة الحدود الشمالية، مشهداً فلكياً بديعاً مع ظهور قمر شهر شعبان 1447هـ في مرحلة “التربيع الأخير”. وفي هذه اللوحة الكونية الهادئة، أطل القمر بنصف إضاءته الكاملة، معلناً عن اقترابه من نهاية دورته الحالية وبدء الاستعداد لمرحلة الاقتران التي ستولد هلال الشهر القادم.
يُعد طور التربيع الأخير مرحلة فلكية مهمة ضمن الدورة القمرية التي تستغرق حوالي 29.5 يوماً. في هذه المرحلة، يكون القمر قد أكمل ثلاثة أرباع مداره حول الأرض منذ بداية الشهر (المحاق). ويظهر لنا نصف وجهه مضاءً بنور الشمس، بينما يظل النصف الآخر في ظلام دامس. يتميز قمر التربيع الأخير بكونه يشرق في منتصف الليل تقريباً ويصل إلى أعلى نقطة له في السماء مع شروق الشمس، ثم يغرب في فترة الظهيرة، مما يتيح فرصة فريدة لهواة الفلك والمصورين لرصده بوضوح في سماء الصباح الباكر الزرقاء.
الأهمية التاريخية والثقافية لرصد القمر
تاريخياً، ارتبط رصد أطوار القمر ارتباطاً وثيقاً بالحضارات الإنسانية، وخاصة في الثقافة العربية والإسلامية. فقد اعتمد العرب قديماً على الدورة القمرية في تحديد تقويمهم، وهو ما استمر مع التقويم الهجري الذي يُعد تقويماً قمرياً بالكامل. وتكتسب هذه الظواهر الفلكية أهمية بالغة في تحديد بدايات ونهايات الشهور الهجرية، وبالتالي تحديد مواقيت العبادات الرئيسية كالصيام في شهر رمضان، ومناسك الحج، وعيدي الفطر والأضحى. إن رصد أطوار القمر ليس مجرد هواية، بل هو ممارسة متجذرة في التراث العلمي والثقافي للمنطقة.
التأثير العلمي والمجتمعي للظاهرة
على الصعيد المحلي، يسهم رصد مثل هذه الظواهر في تعزيز الوعي العلمي والثقافة الفلكية لدى أفراد المجتمع في منطقة الحدود الشمالية والمملكة ككل. كما يشجع الأجيال الناشئة على الاهتمام بعلوم الفلك والفضاء، وهو ما يتماشى مع التوجهات الحديثة للمملكة العربية السعودية في دعم العلوم والتقنية ضمن رؤية 2030. وعلى المستوى الإقليمي، تؤكد هذه المتابعات الدقيقة للأهلة والأطوار القمرية على الدور المحوري للمراصد الفلكية والمراكز العلمية في المملكة في تقديم بيانات دقيقة تخدم المسلمين حول العالم في توحيد بدايات الشهور الهجرية. أما دولياً، فإن كل عملية رصد محلية هي جزء من شبكة عالمية من الملاحظات التي تساهم في فهم أعمق لديناميكيات النظام الشمسي وتوفر بيانات قيمة للعلماء والباحثين في مجال الفيزياء الفلكية.


