أكد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة لا تملك مستقبلاً مشرقاً، متهماً واشنطن بالسعي لفرض هيمنتها الاقتصادية العالمية ووضع حواجز مصطنعة أمام أي تعاون بنّاء. وفي تصريحات حديثة، رسم لافروف صورة متشائمة لآفاق العلاقات، مشيراً إلى أن السياسات الأمريكية القائمة على الإجراءات القسرية والعقوبات تجعل من المستحيل بناء شراكة اقتصادية مستقرة.
خلفية تاريخية من التوترات
تأتي تصريحات لافروف في سياق تدهور تاريخي للعلاقات الروسية-الأمريكية، والذي تسارع بشكل كبير منذ نهاية الحرب الباردة. فبينما كانت هناك آمال في التسعينيات بشراكة استراتيجية، سرعان ما ظهرت الخلافات حول قضايا جوهرية. تعتبر روسيا توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) شرقاً ليشمل دول حلف وارسو السابق بمثابة تهديد مباشر لأمنها القومي، وهو ما حذرت منه موسكو مراراً وتكراراً. وصلت التوترات إلى ذروتها في عام 2014 بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، مما أدى إلى فرض أولى حزم العقوبات الغربية الكبرى. وقد تفاقم الوضع بشكل غير مسبوق مع بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا في فبراير 2022، والتي وصفتها واشنطن وحلفاؤها بـ”الغزو غير المبرر”، وردت عليها بفرض عقوبات اقتصادية ومالية هي الأشد في التاريخ الحديث، مستهدفةً القطاع المصرفي الروسي وصادرات الطاقة والتكنولوجيا.
الهيمنة الاقتصادية وسياسة العقوبات
شدد لافروف على أن “هدف الولايات المتحدة هو الهيمنة على الاقتصاد العالمي”، وأنها تستخدم أدوات لا تتوافق مع المنافسة العادلة لتحقيق ذلك، مثل التعريفات الجمركية، والعقوبات أحادية الجانب، ومحاولات السيطرة على ممرات الطاقة العالمية. وأشار إلى أن واشنطن تسعى للتحكم في خطوط نقل الطاقة إلى أوروبا، مستشهداً بالضغوط التي مورست على مشروع “نورد ستريم 2” وتفجيره لاحقاً، بالإضافة إلى التحكم في نظام نقل الغاز الأوكراني وخط أنابيب “السيل التركي”. وأضاف: “عندما تستغل الولايات المتحدة دور الدولار لتعزيز هيمنتها، فإنها تفقد فعلياً نفوذها وثقلها في الاقتصاد العالمي”.
تداعيات عالمية وإعادة تشكيل التحالفات
إن تدهور العلاقات بين القوتين النوويتين له تداعيات عميقة على الساحة الدولية. فمن جهة، دفعت العقوبات الغربية روسيا إلى تسريع توجهها شرقاً، وتعزيز شراكاتها مع قوى عالمية أخرى، وعلى رأسها الصين. كما أكد لافروف أن موسكو مضطرة للبحث عن سبل بديلة ومحمية لتطوير مشاريعها المالية والاقتصادية واللوجستية ضمن تكتلات مثل مجموعة “بريكس”. وأوضح أن المبادرات الروسية داخل المجموعة تشمل إنشاء منصات دفع بديلة، وآليات للتسوية بالعملات الوطنية، وتطوير بورصة للحبوب، بهدف تقليل الاعتماد على النظام المالي الذي يهيمن عليه الغرب. هذا التحول لا يؤثر على روسيا فحسب، بل يساهم في تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب، حيث تتنافس تكتلات اقتصادية وسياسية مختلفة على النفوذ، مما يزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي العالمي ويؤثر على استقرار سلاسل التوريد وأسواق الطاقة العالمية.


