spot_img

ذات صلة

مسقط وواشنطن: إدارة أزمة أم حل للملف الإيراني الإسرائيلي؟

في خضم مشهد إقليمي معقد، تتسارع وتيرة التحركات الدبلوماسية بين عواصم مؤثرة، حيث تختلط لغة التفاوض بالردع، والرسائل العلنية بالقنوات الخلفية. زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، إلى مسقط، والتي تتزامن مع توجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، ليست مجرد حدثين منفصلين، بل هي فصول مترابطة في سباق سياسي صامت يهدف إلى تحديد مسار التوترات في الشرق الأوسط.

السياق العام: دور عُمان التاريخي والمفاوضات غير المباشرة

لفهم أبعاد هذه التحركات، لا بد من العودة إلى الدور التاريخي الذي لعبته سلطنة عُمان كوسيط محايد وموثوق في المنطقة. فمسقط كانت المحطة الأولى للمحادثات السرية بين واشنطن وطهران، والتي مهدت الطريق للاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2015. هذا الإرث الدبلوماسي يجعل من العاصمة العُمانية مساحة آمنة لتبادل الرسائل واختبار النوايا بعيدًا عن الضغوط المباشرة. تأتي هذه الجولة الجديدة من المحادثات غير المباشرة في أعقاب سنوات من سياسة “الضغوط القصوى” التي فرضتها الإدارة الأمريكية السابقة بعد الانسحاب من الاتفاق النووي، مما رفع منسوب التوتر إلى مستويات خطيرة.

أهمية الزيارات وتأثيرها المتوقع

تكتسب زيارة المسؤول الإيراني إلى مسقط أهميتها من كونها خطوة محسوبة وليست مبادرة عفوية. إيران، من خلال هذه الزيارة، تؤكد على رغبتها في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن عبر وسيط مقبول، لكنها في الوقت نفسه تشدد على عدم استعدادها للتفاوض تحت الضغط. الرسالة الإيرانية واضحة: الاستعداد للنقاش مرهون بالتمسك بالخطوط الحمراء المتعلقة ببرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي. إنها محاولة لإدارة الأزمة وتخفيف حدة الاشتباك دون تقديم تنازلات جوهرية مسبقة.

في المقابل، يمثل وصول نتنياهو إلى واشنطن تحركًا استباقيًا يهدف إلى التأثير على أي مسار تفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران. يدرك رئيس الحكومة الإسرائيلية أن أي تفاهم، حتى لو كان محدودًا، بين خصمه اللدود وحليفه الاستراتيجي يفرض عليه التحرك سريعًا لتثبيت رؤيته ومخاوفه الأمنية. الموقف الإسرائيلي الراسخ يعتبر أن التهدئة غير المشروطة قد تتحول إلى تهديد مؤجل، وأن أي اتفاق لا يعالج بشكل كامل الهواجس الأمنية الإسرائيلية، بما في ذلك البرنامج الصاروخي والدور الإقليمي لإيران، يُنظر إليه كخلل استراتيجي.

إدارة الأزمة كهدف مشترك

على الرغم من تباين الأهداف، يبدو أن جميع الأطراف تشترك في هدف واحد مرحلي: إدارة الأزمة وتفادي الانزلاق إلى مواجهة شاملة. الإدارة الأمريكية، التي تتوزع أولوياتها على أكثر من ساحة دولية، تنظر إلى الملف الإيراني من زاوية أوسع تتعلق بإدارة الاستقرار الإقليمي. هذا يفرض عليها الموازنة الدقيقة بين الضغط والدبلوماسية. من جهتها، لا تملك إيران ترف التصعيد المفتوح في ظل ظروفها الاقتصادية الصعبة، بينما تدرك إسرائيل أن خياراتها العسكرية محفوفة بالمخاطر. في هذا الإطار، تبدو الزيارتان جزءًا من عملية “شد حبال” سياسية، تهدف إلى كسب الوقت وإعادة التموضع، أكثر من كونها مقدمة لحل جذري ونهائي.

spot_imgspot_img