مقدمة: الأنواء والموروث الفلكي في الجزيرة العربية
قبل ظهور الأرصاد الجوية الحديثة، اعتمد العرب في شبه الجزيرة العربية على علم الأنواء، وهو نظام فلكي شعبي متوارث عبر الأجيال، لرصد التغيرات المناخية وتحديد المواسم الزراعية. يستند هذا العلم على مراقبة طلوع وغروب منازل القمر (مجموعة من النجوم) في أوقات محددة من السنة، حيث ارتبط كل نجم بظواهر جوية معينة. وفي هذا السياق، يبرز طالع “سعد الذابح” كعلامة فارقة تعلن عن بداية مرحلة انتقالية مهمة في طقس المملكة العربية السعودية.
ما هو طالع سعد الذابح؟
يُعرف “سعد الذابح” بأنه أحد منازل القمر الثمانية والعشرين، وهو عبارة عن نجمين غير ساطعين يقعان ضمن كوكبة الجدي الفلكية. ووفقًا للحسابات الفلكية التراثية، يبدأ طلوع هذا النجم في العاشر من شهر فبراير تقريبًا، ويستمر لمدة 13 يومًا. ويُعد “سعد الذابح” أول نجوم “موسم العقارب”، وهي فترة تمتد لـ 39 يومًا وتشتهر بتقلباتها الجوية التي تمهد الطريق لقدوم فصل الربيع.
موسم العقارب الثلاث: السم والدم والدسم
يُقسم موسم العقارب في الموروث الشعبي إلى ثلاث مراحل، مدة كل منها 13 يومًا، وترتبط كل مرحلة بخصائص مناخية معينة:
- عقرب السم: وهي الفترة الأولى التي تتزامن مع طالع “سعد الذابح”. سُميت بهذا الاسم ليس لوجود عقارب سامة، بل لأن بردها يُوصف بأنه “لاسع” ومفاجئ، خاصة خلال ساعات الليل والصباح الباكر، وقد يكون ضارًا بالمزروعات الرقيقة.
- عقرب الدم: تبدأ مع طلوع نجم “سعد بلع”، وتتميز ببرودتها الشديدة التي قد تسبب نزفًا في أنوف الإبل من شدة الصقيع، ومن هنا جاءت تسميتها.
- عقرب الدسم: تتزامن مع نجم “سعد السعود”، وتُعتبر المرحلة الأخيرة والأكثر اعتدالًا. سُميت بالدسم لأنها تشهد بداية دفء الطقس، مما يسمح للمواشي بالسمنة واكتساب “الدسم” مع بدء ظهور العشب الربيعي.
التفسير العلمي والواقع المناخي
يؤكد خبراء الطقس، مثل الدكتور عبدالله المسند، نائب رئيس جمعية الطقس والمناخ السعودية، أن هذه المواسم التراثية لا تعني حدوث تغيرات مناخية فورية وحادة. فالتحول من فصل إلى آخر هو عملية تدريجية. دخول نجم “سعد الذابح” لا يسبب البرد، بل يتزامن معه، حيث تكون الأجواء لا تزال باردة نسبيًا مع موجات برد متقطعة، لكنها تشهد تحسنًا تدريجيًا في درجات الحرارة نهارًا. كما تتزايد ساعات النهار بشكل ملحوظ بمعدل يزيد عن دقيقة يوميًا، مما يساهم في ارتفاع تدريجي للحرارة.
الأهمية الزراعية والبيئية
تكتسب فترة “سعد الذابح” أهمية خاصة لدى المزارعين، حيث تُعتبر وقتًا مثاليًا لزراعة فسائل النخيل وتقليم الأشجار المثمرة مثل العنب والتين، استعدادًا لموسم النمو في الربيع. كما أنها فترة مناسبة لتجهيز الأراضي للزراعات الربيعية. بيئيًا، يؤدي اعتدال الطقس النسبي إلى زيادة نشاط بعض الحشرات والزواحف، ومنها العقارب، مما يستدعي توخي الحذر عند التنزه في المناطق البرية أو العمل في المزارع، خاصة في ساعات المساء.
خلاصة: بين التراث والعلم
يمثل “سعد الذابح” وموسم العقارب جسرًا يربط بين الموروث الشعبي العريق والمعرفة العلمية الحديثة. فهو ليس مجرد خرافة، بل تقويم زمني طبيعي يعكس فهم الأجداد العميق للبيئة المحيطة بهم. واليوم، لا يزال هذا التقويم يُستخدم كدليل استرشادي للمزارعين وهواة الطقس، ليُقرأ جنبًا إلى جنب مع بيانات الأرصاد الجوية الدقيقة، في تأكيد على أن التراث والعلم يمكن أن يتكاملا لفهم أعمق لدورة الطبيعة.


