لا يبدو أن المحادثات غير المباشرة التي جرت في مسقط بين الوفدين الإيراني والأمريكي قد انتهت بمغادرتهما قاعة الاجتماعات، بل إنها دشنت مرحلة جديدة من “الاشتباك المنضبط”. ما جرى لم يكن تفاوضاً تقنياً حول تفاصيل برنامج نووي، بقدر ما كان اختباراً دقيقاً للإرادات وقياساً لحدود ما هو ممكن في طهران وما هو محتمل في واشنطن. إنها جولة جديدة في صراع ممتد، تُدار بقواعد حذرة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا يرغب فيها الطرفان.
خلفية تاريخية من التوتر والاتفاقات
لفهم ديناميكيات الصراع الحالي، لا بد من العودة إلى الوراء قليلاً. شكّل الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) الذي تم توقيعه عام 2015 نقطة تحول، حيث وافقت إيران على تقييد برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات الدولية. لكن هذا التوازن الهش انهار في عام 2018 مع انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب من الاتفاق وإعادة فرضها عقوبات قاسية ضمن سياسة “الضغط الأقصى”. ردت طهران على ذلك بالتخلي تدريجياً عن التزاماتها النووية، مما أدى إلى تصعيد التوترات بشكل خطير في منطقة الخليج، وبلغت ذروتها مع حوادث استهداف ناقلات النفط واغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني مطلع عام 2020، وهي أحداث كادت أن تشعل حرباً إقليمية واسعة.
أبعاد الصراع وتأثيره الإقليمي والدولي
تتجاوز أهمية هذا الصراع حدوده الثنائية لتلقي بظلالها على المشهد الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد الإقليمي، يؤثر التوتر بين واشنطن وطهران بشكل مباشر على استقرار دول الخليج وأمن الممرات الملاحية الحيوية، مثل مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية. كما ينعكس هذا الصراع على ساحات أخرى مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن، حيث يمتلك كل طرف حلفاء ونفوذاً. دولياً، أي تصعيد عسكري قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مما يضيف ضغوطاً على الاقتصاد العالمي المنهك بالفعل. كما أن فشل الجهود الدبلوماسية يمثل ضربة لجهود منع الانتشار النووي على مستوى العالم.
توازن دقيق بين الضغط والدبلوماسية
في هذا السياق المعقد، تتحرك واشنطن على حبل مشدود. هي لا تريد الانجرار إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط، خاصة مع تحول أولوياتها الاستراتيجية نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع السماح بتآكل صورة الردع الأمريكي أو القبول بإيران نووية. في المقابل، تسعى طهران إلى تخفيف وطأة العقوبات الاقتصادية الخانقة دون تقديم تنازلات تمسّ ما تعتبره ركائز أمنها القومي، أي برنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي. ويظل الموقف الإسرائيلي عاملاً مؤثراً، حيث تضغط تل أبيب لمنع أي اتفاق لا يضمن تقييداً كاملاً ودائماً لطموحات إيران النووية، وتحتفظ بحقها في التحرك منفردة إذا لزم الأمر.
ماذا تحمل الجولة القادمة؟
السؤال الحقيقي الآن ليس ما إذا كان الطرفان سيتوصلان إلى اتفاق شامل، بل أي شكل من أشكال “الاشتباك المنضبط” سيحكم المرحلة المقبلة. كل طرف يختبر حدود الآخر من خلال مزيج من الرسائل الدبلوماسية والتحركات العسكرية المحسوبة. الإدارة الأمريكية تدير الملف الإيراني ضمن هندسة أوسع لإعادة ترتيب أولوياتها العالمية، حيث يصبح التهديد العسكري أداة لضبط الإيقاع لا قراراً بالحرب، ويصبح التفاوض وسيلة لتثبيت توازن منخفض التكلفة. أما طهران، فتتحرك وفق معادلة “الصبر الاستراتيجي”، مدركة أن الوقت قد يكون في صالحها لترسيخ قدراتها. إن أي خطأ في الحسابات من أي طرف قد يحول هذا الضغط المتبادل إلى احتكاك مباشر يعيد رسم قواعد اللعبة بالكامل.


