
في رسالة إيمانية جامعة انطلقت من أقدس بقاع الأرض، أكد إماما وخطيبا المسجد الحرام والمسجد النبوي أن حقيقة الصيام وجوهره يكمنان في تحقيق تقوى الله عز وجل، وهي الغاية الأسمى التي من أجلها فُرضت هذه العبادة العظيمة. وأوضحا أن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة متكاملة لتهذيب النفس، تشمل حفظ الجوارح وصيانة اللسان عن كل ما يغضب الله.
ففي المسجد الحرام بمكة المكرمة، أوصى الشيخ الدكتور ماهر بن حمد المعيقلي المسلمين بتقوى الله، مشيراً إلى أنها سبيل النجاة في الدنيا والآخرة. وبيّن أن الله تعالى فضّل شهر رمضان بأن أنزل فيه القرآن وفرض صيامه لتحقيق التقوى، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وأكد أن الصوم الحقيقي هو الذي يورث في القلب خشية الله ومراقبته في السر والعلن، ويضبط الجوارح عن المعاصي واللسان عن اللغو والزور.
أهمية خطب الحرمين وتأثيرها العالمي
تكتسب هذه الخطب من الحرمين الشريفين أهمية خاصة في العالم الإسلامي، فهي ليست مجرد مواعظ محلية، بل هي رسائل روحية تُبث إلى ملايين المسلمين حول العالم. وتُمثل منبراً تاريخياً انطلقت منه رسالة الإسلام، وتستمر في توجيه الأمة وربطها بمصادر التشريع الأصيلة، خاصة في المواسم الإيمانية العظيمة كشهر رمضان المبارك، حيث تتجه قلوب المسلمين وأنظارهم إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة لاستلهام الهدي النبوي والتعاليم الربانية.
وفي ذات السياق، ومن على منبر المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة، شدد الشيخ الدكتور عبد المحسن القاسم على أن الصيام ركن أساسي من أركان الإسلام التي تقوم عليها حياة المسلم. وأوضح أن هذا الشهر هو موسم استثنائي تُفتح فيه أبواب الجنة وتُغلق أبواب النار، مما يجعله فرصة لا تعوض لتزكية القلوب وتهذيب السلوك. وأكد أن قيمة الأعمال عند الله تُقاس بسلامة القلب والإخلاص، محذراً من أن المعاصي قد تنقص من أجر الصائم وتذهب بثمرة عبادته.
الصيام: عبادة شاملة وموسم للخيرات
وأجمع الخطيبان على أن مفهوم الصيام يتسع ليشمل كل جوانب حياة المسلم. فكما يمسك الصائم عن المفطرات الحسية، عليه أن يمسك لسانه عن الغيبة والنميمة وقول الزور، ويحفظ بصره وسمعه وجوارحه عن الحرام. واستشهد الشيخ المعيقلي بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ؛ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»، وهو ما يؤكد على البعد الأخلاقي والتربوي لهذه الفريضة.
إن هذه التوجيهات الصادرة من أقدس بقعتين على وجه الأرض لها تأثير عميق على السلوك الديني والاجتماعي للمسلمين في شتى بقاع العالم. فهي تساهم في توحيد الفهم الصحيح لمقاصد العبادات، وتعزز قيم التراحم والتكافل والإحسان، وتدعو إلى نبذ الخلافات وتطهير القلوب من الشحناء والبغضاء، مما يقوي روابط الأخوة الإيمانية بين أفراد الأمة الإسلامية خلال هذا الشهر الفضيل.
واختتم الخطيبان بدعوة المسلمين إلى اغتنام أيام وليالي رمضان بالإكثار من تلاوة القرآن والذكر والدعاء والصدقة، والحرص على قيام الليل، وتحري ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. كما حثا على المبادرة بالتوبة الصادقة والرجوع إلى الله، مؤكدين أن رمضان فرصة ثمينة لمغفرة الذنوب والعتق من النيران، وأن الخاسر الحقيقي هو من يدرك هذا الشهر ثم يخرج منه دون أن يُغفر له.


