جدد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري تمسكه بإجراء الانتخابات النيابية في موعدها الدستوري، مؤكداً أن هذا الاستحقاق هو الأساس في تكوين السلطات وتجديد الحياة السياسية في البلاد. يأتي هذا التأكيد في وقت حاسم يمر به لبنان، حيث تتصاعد الشكوك حول قدرة الدولة على تنظيم العملية الانتخابية في ظل أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة.
السياق العام: استحقاق ديمقراطي في قلب العاصفة
يواجه لبنان منذ عام 2019 انهياراً اقتصادياً شاملاً صنفه البنك الدولي من بين الأسوأ في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر. أدت الأزمة إلى تدهور قيمة العملة الوطنية بشكل حاد، وتآكل مدخرات المواطنين، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات قياسية. وفي خضم هذه المعاناة، ينظر الكثير من اللبنانيين والمجتمع الدولي إلى الانتخابات النيابية باعتبارها محطة مفصلية ومطلباً أساسياً لبدء مسار الإصلاح. فهي تمثل فرصة للمحاسبة الشعبية للطبقة السياسية التي تُحمَّل مسؤولية الانهيار، وضخ دماء جديدة في المجلس النيابي قد تساهم في تغيير نهج إدارة الدولة.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
تكتسب الانتخابات أهمية استثنائية على الصعيدين المحلي والدولي. فعلى المستوى المحلي، يُعَد إجراؤها في موعدها رسالة قوية على أن المؤسسات الدستورية لا تزال تعمل، وأن مبدأ تداول السلطة لم يسقط رغم كل التحديات. أما تأجيلها، فسيعني تمديداً جديداً للمجلس الحالي، وهو سيناريو عاشه لبنان سابقاً بين عامي 2013 و2017 وأدى إلى تآكل الثقة بالعملية الديمقراطية. دولياً، تشترط الجهات المانحة وصندوق النقد الدولي إجراء إصلاحات هيكلية جدية كشرط لتقديم أي مساعدات مالية لإنقاذ لبنان، وتعتبر الانتخابات الحرة والنزيهة خطوة أولى لا غنى عنها في هذا المسار. لذلك، تراقب العواصم العالمية والإقليمية هذا الاستحقاق عن كثب، حيث ستحدد نتائجه ملامح المشهد السياسي اللبناني للسنوات الأربع القادمة وتوازنات القوى فيه.
مواقف رسمية حاسمة
في هذا الإطار، نقلت الوكالة الوطنية للإعلام عن الرئيس بري إبلاغه رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الوزراء نجيب ميقاتي (في سياق الخبر الأصلي) بموقفه الثابت. وأضاف: «من غير الجائز أننا مع بداية عهد جديد، أن نعيق انطلاقته بتعطيل أو تأجيل أو تمديد لأهم استحقاق دستوري». وأكد بري أن المجلس النيابي سيعمل على إنجاز القوانين الإصلاحية الملحة، وعلى رأسها قانون “الكابيتال كونترول” أو الفجوة المالية، الذي وصفه بأنه «حجر الزاوية في التعافي المالي والاقتصادي»، مشدداً على أن أي حل يجب أن يضمن حقوق المودعين التي وصفها بـ “المقدسة”. كما حذر بشدة من المساس باحتياطي الذهب، قائلاً: «لبنان ليس بلداً فقيراً أو مفلساً، وهناك أكثر من وسيلة وطريقة يمكن الوصول من خلالها إلى حل دون المساس بحقوق المودعين وبالذهب».
تحديات لوجستية وسياسية
رغم التأكيدات الرسمية من الرئاسات الثلاث على الالتزام بالموعد الانتخابي، تبقى هناك تحديات كبيرة. فإلى جانب التجاذبات السياسية حول قانون الانتخاب والدوائر، تبرز عقبات لوجستية تتعلق بتأمين التمويل اللازم لإجراء الانتخابات في ظل شح الموارد المالية للدولة. ومع ذلك، يبقى الضغط الشعبي والدولي عاملاً حاسماً يدفع باتجاه إتمام هذا الاستحقاق، الذي يُنظر إليه كبارقة أمل نادرة في نفق الأزمة اللبنانية المظلم.


