نقلة نوعية في العمليات العسكرية: الذكاء الاصطناعي في قلب الحدث
لم تعد ساحات المعارك مقتصرة على الجنود والأسلحة التقليدية. في تطور يُعد من الأكثر إثارة للجدل في العلاقة بين التكنولوجيا والحروب، كشفت معلومات نقلها موقع “أكسيوس” أن نموذج الذكاء الاصطناعي “Claude”، الذي طورته شركة Anthropic، قد استُخدم بشكل فعال خلال العملية العسكرية الأمريكية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. هذه الحادثة لا تمثل مجرد استخدام جديد للتكنولوجيا، بل تشير إلى بداية حقبة جديدة تُدار فيها الصراعات السيادية بالخوارزميات والبيانات الضخمة.
خلفية الصراع: لماذا مادورو؟
لفهم أبعاد هذه العملية، لا بد من العودة إلى السياق السياسي المتوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا. على مدى سنوات، شهدت العلاقات بين البلدين تدهوراً حاداً، تفاقم مع الأزمة الاقتصادية والسياسية الخانقة في فنزويلا. في مارس 2020، اتخذت وزارة العدل الأمريكية خطوة تصعيدية غير مسبوقة بتوجيه اتهامات رسمية للرئيس نيكولاس مادورو وعدد من كبار المسؤولين في حكومته بـ “الإرهاب المرتبط بالمخدرات”، وعرضت مكافأة قدرها 15 مليون دولار مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقاله. جاءت هذه العملية العسكرية في إطار تنفيذ هذه الاتهامات، مما يضع استخدام الذكاء الاصطناعي في سياق قانوني وسياسي معقد.
دور “كلود” في الميدان
تشير المعطيات إلى أن “كلود” لم يكن مجرد أداة تحليل خلف الكواليس، بل استُخدم خلال تنفيذ العملية نفسها، وليس فقط في مرحلة الإعداد. ورغم سرية التفاصيل الدقيقة لدوره، فمن المرجح أن مهامه شملت تحليل صور الأقمار الصناعية والبيانات الاستخباراتية بشكل فوري. تتطلب هذه المهام معالجة سريعة لكميات هائلة من المعلومات، وهي الميزة الأساسية التي تجعل الذكاء الاصطناعي عنصراً ثميناً في البيئات العملياتية المعقدة، حيث يمكنه تحديد الأنما-ط وتقديم رؤى تكتيكية حاسمة في أجزاء من الثانية.
تداعيات إقليمية ودولية: بداية سباق تسلح جديد؟
تُلقي هذه العملية بظلالها على المشهد الجيوسياسي العالمي. إن إثبات فعالية الذكاء الاصطناعي في عملية حساسة بهذا الحجم قد يدفع القوى العالمية الكبرى، مثل الصين وروسيا، إلى تسريع برامجها لتطوير قدرات عسكرية مماثلة، مما يؤذن ببدء سباق تسلح قائم على الذكاء الاصطناعي. على الصعيد الإقليمي، يمثل الحدث رسالة قوية لخصوم الولايات المتحدة، مفادها أن الأدوات التكنولوجية المتقدمة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من ترسانتها العسكرية، مما يغير موازين القوى التقليدية.
معضلة أخلاقية في وادي السيليكون
يسلط هذا الاستخدام الضوء على معضلة تواجهها شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى: كيفية الموازنة بين شراكاتها المربحة والمتزايدة مع المؤسسات العسكرية، وبين تعهداتها الأخلاقية بفرض قيود على استخدام تقنياتها. وتسعى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إلى توسيع اعتماد نماذج الذكاء الاصطناعي في مختلف السيناريوهات. وفي هذا السياق، تجري Anthropic مفاوضات مع البنتاغون لضبط شروط الاستخدام، مع تركيز واضح على منع توظيف تقنيتها في المراقبة الجماعية للأمريكيين أو تشغيل أسلحة مستقلة بالكامل.
سباق الشركات نحو البنتاغون
شركة Anthropic ليست وحدها في هذا المشهد؛ فشركات كبرى مثل OpenAI وGoogle وxAI أبرمت اتفاقات تتيح لمستخدمين عسكريين الوصول إلى نماذجها. كما ترتبط Anthropic بشراكة مع شركة Palantir، التي تمتلك عقوداً دفاعية كبرى، مما يتيح إدماج “كلود” في منتجات أمنية متقدمة. اليوم، لم تعد القصة مجرد خبر عن اعتقال رئيس دولة، بل مؤشر صريح على أن الخوارزميات دخلت رسمياً ميدان الصراعات السيادية، لتُكتب فصول جديدة من تاريخ الحروب بلغة الكود والبيانات.


