جددت إيران تأكيدها على أن برنامجها للصواريخ الباليستية يمثل “خطاً أحمر” لا يمكن المساس به أو التفاوض عليه، وذلك في خضم المباحثات الحساسة مع القوى العالمية بشأن ملفها النووي. وأكد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، أن القدرات الصاروخية للبلاد هي جزء لا يتجزأ من استراتيجيتها الدفاعية وسيادتها الوطنية، ولا يمكن أن تكون ورقة على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة أو أي طرف آخر.
خلفية تاريخية وسياق استراتيجي
يعود إصرار إيران على تطوير برنامجها الصاروخي إلى عقود مضت، وتحديداً إلى فترة الحرب الإيرانية-العراقية (1980-1988). خلال تلك الحرب، تعرضت المدن الإيرانية لقصف صاروخي مكثف فيما عُرف بـ “حرب المدن”، بينما كانت قدرة إيران على الرد محدودة للغاية. هذه التجربة المريرة رسخت لدى القيادة الإيرانية عقيدة دفاعية تقوم على ضرورة امتلاك قوة ردع ذاتية ومستقلة، لتعويض ضعفها في سلاح الجو التقليدي الذي يعاني من قدم طائراته والعقوبات الدولية. ومنذ ذلك الحين، استثمرت طهران بشكل كبير في تطوير وتوسيع ترسانتها من الصواريخ الباليستية، التي تعتبرها الضمانة الأساسية لأمنها القومي في مواجهة التهديدات الإقليمية والدولية.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
يحمل الموقف الإيراني الحازم تداعيات كبيرة على مختلف الأصعدة. فعلى الصعيد المحلي، يمثل البرنامج الصاروخي نقطة إجماع وطني ومصدر فخر، حيث يُنظر إليه كرمز للاستقلال والقدرة على الدفاع عن النفس في وجه الضغوط الخارجية. أما على الصعيد الإقليمي، فإن هذا البرنامج يثير قلقاً بالغاً لدى جيران إيران، خاصة إسرائيل والمملكة العربية السعودية، اللتين تعتبران الصواريخ الإيرانية تهديداً مباشراً لأمنهما. وتتهم هذه الدول طهران باستخدام صواريخها لزعزعة استقرار المنطقة ودعم وكلائها، مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن. وهذا بدوره يغذي سباق تسلح إقليمي ويزيد من حدة التوترات.
دولياً، يُعد البرنامج الصاروخي الإيراني أحد أبرز نقاط الخلاف بين طهران والقوى الغربية. فالولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون يطالبون بضرورة شمول القدرات الصاروخية في أي اتفاق نووي جديد أو موسع، بحجة أن قرار مجلس الأمن رقم 2231 (الذي صادق على الاتفاق النووي لعام 2015) يدعو إيران إلى عدم تطوير صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية. في المقابل، تؤكد إيران أن صواريخها ذات طبيعة دفاعية بحتة وغير مصممة لحمل أسلحة نووية، وأن أي محاولة لتقييدها هي تعدٍ على سيادتها. هذا الموقف المتصلب يعقد مسار المفاوضات الدبلوماسية ويزيد من احتمالات العودة إلى سياسة الضغوط القصوى أو حتى الخيارات العسكرية، وهو ما لوحت به الإدارة الأمريكية السابقة.
وفي هذا السياق، أكد شمخاني أن أي “مغامرة” تستهدف إيران سيتم الرد عليها بحزم وقوة، مشيراً إلى أن إسرائيل لا تستطيع اتخاذ أي إجراء عسكري دون الحصول على دعم أمريكي مباشر. ويأتي هذا التصريح ليؤكد أن طهران لن تتنازل عن ما تعتبره حقاً سيادياً، وأن المفاوضات الحالية يجب أن تقتصر بشكل صارم على الملف النووي، دون التطرق إلى قضايا الدفاع أو النفوذ الإقليمي.


