في خطوة تعكس تصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد المخاوف الأمنية في أوروبا، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كيير ستارمر عن نشر مجموعة قتالية بحرية بقيادة حاملة الطائرات «HMS Prince of Wales» في شمال الأطلسي والمناطق القطبية باتجاه جرينلاند هذا العام. جاء هذا الإعلان خلال مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن السنوي، حيث حذر من تنامي القوة الروسية وإمكانية استخدامها ضد حلف شمال الأطلسي (الناتو)، داعيًا إلى بناء “ناتو أوروبي أكثر استقلالية”.
تأتي تصريحات ستارمر في وقت حرج، حيث تتصاعد التوترات حول الإقليم الدنماركي، مما يسلط الضوء على الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للمناطق القطبية وشمال الأطلسي. هذه المناطق، التي كانت تُعتبر في السابق بعيدة عن بؤر الصراع، أصبحت الآن محط اهتمام القوى الكبرى بسبب طرق الشحن الجديدة المحتملة والموارد الطبيعية، بالإضافة إلى كونها ممرًا حيويًا للغواصات الروسية. إن نشر أسطول بحري في هذه المنطقة يؤكد التزام المملكة المتحدة بتعزيز أمنها القومي وحماية مصالح حلفائها في مواجهة أي تهديدات محتملة.
وأكد ستارمر أن موسكو تعيد تسليح جيشها وتعبئة قاعدتها الصناعية، مشيرًا إلى تحذيرات الناتو من احتمال استعداد روسيا لمواجهة الحلف عسكريًا خلال السنوات القادمة. هذا التقييم يعكس مخاوف واسعة النطاق بين الدول الأوروبية بشأن طموحات روسيا التوسعية بعد غزوها لأوكرانيا. فالتاريخ الحديث يشهد على سعي روسيا لاستعادة نفوذها الجيوسياسي، بدءًا من ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014 وصولاً إلى الغزو الشامل لأوكرانيا في عام 2022، مما أثار قلقًا عميقًا بشأن استقرار النظام الأمني الأوروبي.
وحذر رئيس الوزراء البريطاني من أن التوصل إلى اتفاق سلام في أوكرانيا لن ينهي التهديد الروسي، بل قد يمنح الكرملين فرصة لإعادة التسليح والاستعداد لجولات صراع مستقبلية. وأضاف: «نشعر بأن صلابة السلام تتراجع تحت أقدامنا، وهذه المرة يجب أن يكون الرد مختلفًا». واستعار ستارمر عبارة تاريخية استخدمها وزير الخارجية البريطاني الأسبق إدوارد غراي قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، محذرًا من أن «المصابيح قد تنطفئ في أنحاء أوروبا مرة أخرى» إذا لم تتحرك القيادات مبكرًا وبحزم.
وفي سياق دعوته لتعزيز الدفاع الأوروبي، شدد ستارمر على ضرورة بناء ناتو أوروبي أقوى وأكثر استقلالية، مع تقليل الاعتماد العسكري المفرط على الولايات المتحدة، مع الحفاظ على التحالف عبر الأطلسي. وقال: «لا أمان لبريطانيا دون أوروبا، ولا أمان لأوروبا دون بريطانيا». هذه الدعوة تأتي في ظل تزايد النقاشات حول “الاستقلالية الاستراتيجية” الأوروبية، خاصة مع تزايد الشكوك حول مدى التزام الولايات المتحدة المستقبلي بالدفاع عن أوروبا، وهو ما برز بشكل خاص خلال فترة إدارة ترامب. يهدف هذا التوجه إلى ضمان قدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها بشكل فعال، حتى في حال تراجع الدعم الأمريكي.
وانتقد ستارمر ما وصفه بـ«الإجابات السهلة من أقصى اليمين وأقصى اليسار»، مهاجمًا حزب الإصلاح البريطاني بقيادة نايجل فاراج، وحزب الخضر اليساري. ووصفهم بأنهم «متطرفون أيديولوجيون متسامحون تجاه روسيا وضعفاء في الناتو». وأشار إلى أن انتخابهم قد يعجل بحرب في أوروبا، مستخدمًا لغة تاريخية أخرى من عشية الحرب العالمية الأولى: «المتطرفون من اليسار واليمين يشتركون في الكثير، إنهم مصممون على التضحية بعلاقاتنا طويلة الأمد على مذبح أيديولوجيتهم، المستقبل الذي يقدمونه هو الانكماش ثم الاستسلام، والأنوار ستنطفئ عبر أوروبا مرة أخرى».
تأتي تصريحات ستارمر في وقت يواجه فيه ضغوطًا سياسية داخلية، ومع اقتراب انتخابات محتملة في بعض الدوائر الحساسة. يسعى ستارمر من خلال هذه المواقف الحازمة إلى ترسيخ صورته كزعيم قوي ومسؤول على الساحة الدولية، قادر على حماية مصالح المملكة المتحدة وأوروبا. وقد عقد لقاءات على هامش المؤتمر مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرز، بالإضافة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لبحث سبل إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية وتعزيز الدفاع الأوروبي.
وفي تصريحات للصحفيين على هامش المؤتمر، أعرب وزير الدفاع البريطاني جون هيلي عن استعداد بريطانيا للانضمام إلى فرنسا وألمانيا في مشروع مقاتلة «تيمبيست» (GCAP)، مؤكدًا أن ستارمر يعيد دور بريطانيا الفخور في العالم ودورها الضروري في أوروبا. وبينما تتزايد التحذيرات من تهديد روسي متنامٍ، والدعوات لتعزيز الاستقلالية الدفاعية الأوروبية، يبدو أن لندن تسعى إلى إعادة تموضع استراتيجي في مرحلة توصف بأنها الأكثر حساسية للأمن الأوروبي منذ عقود.


