تستعد إيطاليا لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية الشتوية للمرة الثالثة في تاريخها عام 2026، حيث تمثل ألعاب ميلانو-كورتينا عودة بارزة للبلاد إلى المشهد الرياضي العالمي بعد عقدين من الزمن. هذه الدورة، التي تحمل شعار “اليورو يسبق الميدالية”، لا تُعد مجرد حدث رياضي فحسب، بل هي مشروع اقتصادي وبنيوي شامل يهدف إلى ترك إرث دائم لشمال إيطاليا، مع التركيز على الفوائد الاقتصادية المستدامة والتنمية الإقليمية.
تتمتع إيطاليا بتاريخ غني مع الألعاب الأولمبية، فقد استضافت الألعاب الشتوية مرتين من قبل: كورتينا دامبيدزو عام 1956 وتورينو عام 2006. كانت ألعاب كورتينا 1956 رمزية، حيث عرضت جمال جبال الدولوميت الخلاب للعالم. أما تورينو 2006، فبينما كانت ناجحة من الناحية الرياضية، واجهت تحديات مالية كبيرة بعد الحدث، مما ترك المدينة بديون كبيرة بسبب الإنفاق المكثف على البنية التحتية. لقد أثرت هذه التجارب السابقة بشكل عميق على التخطيط لأولمبياد ميلانو-كورتينا 2026، دافعة نحو نموذج أكثر مسؤولية مالياً وموزع جغرافياً لتجنب الأخطاء السابقة وتعظيم الفوائد طويلة الأجل.
تتبنى ألعاب ميلانو-كورتينا 2026 نموذجاً فريداً وموزعاً جغرافياً، حيث تنتشر الفعاليات عبر مواقع متعددة تشمل ميلانو، كورتينا دامبيدزو، بورميو، ليفينيو، فال دي فيمي، وفيرونا. يختلف هذا النهج عن الاستضافة المركزية التقليدية، ويهدف إلى توزيع الفوائد الاقتصادية والاجتماعية على نطاق أوسع عبر منطقتي لومبارديا وفينيتو. يجمع هذا النموذج بين الديناميكية الاقتصادية والثقافية لميلانو، والتراث الألبي لكورتينا، والسحر التاريخي لمدن مثل فيرونا، مما يخلق منصة ترويجية شاملة لشمال إيطاليا.
وفقاً لتقرير صادر عن بنك “بيفايس” (Banca Ifis)، من المتوقع أن يصل إجمالي الأثر الاقتصادي لأولمبياد ميلانو-كورتينا 2026 إلى حوالي 5.3 مليار يورو. ينقسم هذا الرقم الكبير إلى ثلاثة مكونات رئيسية:
- **الإنفاق المباشر:** حوالي 1.1 مليار يورو من الإنفاق السياحي المباشر وموظفي التشغيل خلال فترة الألعاب.
- **التدفقات السياحية الإضافية:** ما يقدر بـ 1.2 مليار يورو من الإيرادات السياحية الإضافية المتوقعة في الأشهر الـ 12 إلى 18 التي تلي الحدث، حيث يجذب الملف المعزز للمنطقة المزيد من الزوار.
- **الاستثمارات في البنية التحتية والإرث:** 3 مليارات يورو مخصصة للاستثمارات في البنية التحتية الأساسية ومشاريع الإرث، بما في ذلك المرافق الرياضية والتجديد الحضري، والتي صُممت لخدمة المجتمعات بعد انتهاء الألعاب بوقت طويل.
يتوقع المنظمون حضور حوالي 2.5 مليون متفرج طوال فترة الألعاب، بمتوسط إقامة ثلاث ليالٍ. من المتوقع أن يعزز هذا التدفق قطاعات الضيافة والنقل والخدمات بشكل كبير. تتوقع “أوكسفورد إيكونوميكس” أن تستقبل إيطاليا 66 مليون سائح دولي في عام 2026، بزيادة ملحوظة عن 60 مليون في عام 2023، مع توقع ارتفاع الإنفاق السياحي بنحو 2.9 مليار يورو في ذلك العام وحده. ومن المتوقع أن يتجاوز شمال إيطاليا، على وجه الخصوص، المتوسط الوطني في نمو السياحة.
على عكس الأحداث الأكثر تركيزاً، صُممت الطبيعة الموزعة لأولمبياد ميلانو-كورتينا 2026 للتخفيف من “تأثير الإزاحة”، حيث يتجنب السياح التقليديون المدن المضيفة بسبب الازدحام المتوقع والاضطرابات. من خلال توزيع الأماكن، تهدف الألعاب إلى إبقاء المدن المضيفة سهلة الوصول وجذابة، وتشجيع مجموعة أوسع من الزوار على استكشاف العروض المتنوعة لشمال إيطاليا خارج الساحات الرياضية. تدعم بيانات الحجوزات المبكرة، مثل أرقام بطاقات “فيزا” التي تظهر زيادة بنسبة 160% في عدد الوافدين الدوليين إلى شمال إيطاليا خلال الفترة الأساسية، هذا التوقع الإيجابي.
تقدر وكالة “ستاندرد آند بورز” (S&P Global Ratings) التكلفة الإجمالية لاستضافة الألعاب بما يتراوح بين 5.7 و5.9 مليار يورو، وهو ما يمثل حوالي 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لإيطاليا لعام 2025. سيتم تمويل جزء كبير، حوالي 63%، من القطاع العام، بشكل أساسي من الحكومة المركزية، مع تركيز قوي على استثمارات البنية التحتية. هذا الهيكل التكلفي أقل بكثير من تكلفة الألعاب الأولمبية الصيفية الأخيرة (مثل باريس 2024، التي باعت 10-12 مليون تذكرة، أي خمسة أضعاف الحجم المتوقع لميلانو-كورتينا) وأقل عبئاً من الأحداث الإيطالية الكبرى السابقة مثل إكسبو ميلانو 2015 أو ألعاب تورينو 2006 التي واجهت مشاكل مالية. يعكس النهج الحالي جهداً واعياً لتجنب الإنفاق المفرط وضمان الاستدامة المالية.
بينما يُعد الدعم الاقتصادي الفوري كبيراً، تحذر “ستاندرد آند بورز” من أن الأثر الاقتصادي طويل الأجل قد يكون محدوداً، نظراً لمكانة إيطاليا الراسخة بالفعل كوجهة سياحية عالمية رائدة. ومع ذلك، من المتوقع أن يكون الإرث الاجتماعي والبنيوي عميقاً ودائماً. ستفيد الاستثمارات في تحسين إمكانية الوصول، وتحديث شبكات النقل، وتطوير المرافق العامة والرياضية، المجتمعات المحلية والسياح على حد سواء لعقود قادمة. وقد خصصت الحكومة الإيطالية أيضاً 200 مليون يورو إضافية للترويج السياحي والخدمات اللوجستية والأمن، مما يعزز الرؤية طويلة الأجل. يمكن للبلديات القريبة من الأماكن رفع ضريبة الإقامة السياحية مؤقتاً، مع تحويل 50% من عائداتها إلى الحكومة المركزية، مما يساهم في الإدارة المالية الشاملة.
تمثل أولمبياد ميلانو-كورتينا 2026 نموذجاً منضبطاً مالياً لاستضافة الأحداث الدولية الكبرى. من خلال إعطاء الأولوية للتوزيع الجغرافي الذكي والاستثمارات الاستراتيجية في البنية التحتية على الاندفاع السياحي الفردي الذي قد يكون مبالغاً فيه، تهدف إيطاليا إلى خلق إرث مستدام ومفيد. سيكون المقياس الحقيقي للنجاح هو التعزيز طويل الأجل لقدرة شمال إيطاليا التنافسية وقدرتها على الاستفادة من هذه الاستثمارات لتحقيق نمو مستدام، بعيداً عن الإثارة العابرة للمنافسات الأولمبية. يمكن أن يكون هذا النهج بمثابة مخطط للدول المضيفة المستقبلية التي تسعى إلى الموازنة بين المشهد العالمي والفوائد الملموسة والدائمة لمناطقها.


