
جاء قرار مجلس الوزراء بتشكيل لجنة دائمة تُعنى بمتابعة كل ما يتعلق بمادة الأسبستوس، تعزيزاً للجهود الوطنية لحظر هذه المادة شديدة الخطورة. ويمثل هذا القرار امتداداً لقرارات سابقة أصدرها المجلس في عامي 1418هـ و1421هـ، والتي نصّت على منع استخدام الأسبستوس واستيراده وتصديره وتصنيعه، والدعوة إلى استبداله في المباني وشبكات المياه والتخلص الآمن منه.
لطالما كان الأسبستوس، المعروف بخصائصه الفريدة من مقاومة للحريق والعزل الحراري والمتانة، مادة بناء شائعة منذ الثورة الصناعية. استُخدم على نطاق واسع في الأسقف، الأنابيب، بلاط الأرضيات، ومواد العزل في المباني والمنشآت الصناعية وحتى في شبكات المياه. لكن، مع مرور الوقت وتطور الأبحاث العلمية، بدأت تتكشف الحقائق المروعة حول تأثيراته الصحية المدمرة.
وتشرف جهات حكومية عدة على تنفيذ عمليات الإزالة، بينها المركز الوطني للأرصاد ووزارة البلديات، تماشياً مع التوجهات الدولية التي أثبتت خطورة الأسبستوس على الصحة والبيئة. ويُعد الأسبستوس، أو «الحرير الصخري»، من المعادن الليفية التي كانت تُستخدم في مواد البناء والعزل لمقاومتها العالية للحرارة، إلا أن الدراسات أثبتت أنه مادة مسرطنة تسبب أمراضاً رئوية مزمنة مثل تليّف الرئة (الأسبستوس) وتظهر أعراضها بعد سنوات طويلة من التعرض.
وينبه المختصون أن استنشاق ألياف الأسبستوس الدقيقة يؤدي إلى تندّب أنسجة الرئة وضيق التنفس، خصوصاً لدى العاملين في المجالات التي كانت تعتمد على منتجات تحتوي على هذه المادة. لم يقتصر الأمر على تليف الرئة، بل امتد ليشمل أمراضاً أكثر فتكاً مثل سرطان الرئة وورم المتوسطة (Mesothelioma)، وهو نوع نادر وعدواني من السرطان يصيب بطانة الرئة أو البطن. هذه الأمراض تتميز بفترة كمون طويلة جداً، قد تصل إلى 20-50 عاماً بعد التعرض الأولي، مما يجعل تتبع مصدر الإصابة وعلاجها تحدياً كبيراً.
وتشير الأبحاث إلى أن الأسبستوس يُستخرج من مناجم في جنوب أفريقيا وفنلندا وروسيا، ويُستخدم في العزل الحراري لمختلف التطبيقات، ما يجعل التعامل معه دون احتياطات صارمة خطراً كبيراً على الصحة العامة.
تأتي هذه الخطوات السعودية الحازمة في سياق جهود عالمية واسعة النطاق لحظر الأسبستوس. فمنظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية وغيرهما من الهيئات الدولية تدعو منذ عقود إلى التخلص التدريجي من جميع أنواع الأسبستوس، مشددة على عدم وجود مستوى آمن للتعرض لهذه المادة. وقد حظرت أكثر من 60 دولة حول العالم استخدام الأسبستوس بشكل كامل، مما يعكس الإجماع العلمي على خطورته.
إن تشكيل هذه اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية يمثل نقلة نوعية في الالتزام بحماية الصحة العامة والبيئة. محلياً، سيؤدي هذا القرار إلى تسريع عمليات المسح والإزالة الآمنة للمواد المحتوية على الأسبستوس من المباني القديمة والبنى التحتية، مما يقلل بشكل كبير من مخاطر التعرض للمواطنين والعاملين. إقليمياً ودولياً، تعزز المملكة مكانتها كدولة رائدة في تبني أفضل الممارسات البيئية والصحية، وتلهم دولاً أخرى في المنطقة لاتخاذ خطوات مماثلة. كما أن التخلص الآمن من الأسبستوس يتطلب بنية تحتية متخصصة وعمليات معقدة لضمان عدم انتشار الألياف السامة في البيئة، وهو ما ستشرف عليه اللجنة الجديدة بدقة. هذه الجهود المتواصلة تؤكد رؤية المملكة في بناء مستقبل صحي ومستدام لأجيالها القادمة، بعيداً عن مخاطر المواد المسرطنة التي تهدد الحياة.


