كشفت البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء عن تباطؤ ملحوظ في معدل التضخم السنوي بالمملكة العربية السعودية، حيث بلغ 1.8% في يناير الماضي، مسجلاً بذلك أدنى مستوى له خلال أحد عشر شهراً. هذا التراجع يعكس جهود المملكة في الحفاظ على استقرار الأسعار ويقدم مؤشراً إيجابياً على قوة الاقتصاد السعودي وقدرته على امتصاص الضغوط التضخمية العالمية.
السياق الاقتصادي والتاريخي للتضخم في السعودية
لطالما كانت المملكة العربية السعودية، كأكبر اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وعضو رئيسي في مجموعة العشرين، حريصة على تحقيق الاستقرار الاقتصادي. في السنوات الأخيرة، ومع التحديات الاقتصادية العالمية التي شملت ارتفاع أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، شهدت العديد من الدول مستويات تضخم مرتفعة. ومع ذلك، بفضل السياسات المالية والنقدية الحصيفة، تمكنت السعودية من الحفاظ على معدلات تضخم معتدلة نسبياً. يأتي هذا الإنجاز في سياق رؤية المملكة 2030 الطموحة، التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام، حيث يعد استقرار الأسعار ركيزة أساسية لتحقيق هذه الأهداف.
العوامل الرئيسية وراء التباطؤ
وفقاً لبيانات الهيئة العامة للإحصاء، جاء التباطؤ في معدل التضخم مدفوعاً بشكل رئيسي بارتفاع أسعار بعض المجموعات الرئيسية. فقد سجل قسم السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى زيادة بنسبة 4.2%، ويعزى ذلك بشكل كبير إلى ارتفاع الإيجارات الفعلية للسكن بنسبة 5.2%. كما ارتفعت أسعار النقل بنسبة 1.5%، متأثرة بزيادة أسعار خدمات نقل الركاب بنسبة 6%. وشهدت أسعار المطاعم وخدمات الإقامة ارتفاعاً بنسبة 1%، مدفوعة بزيادة أسعار خدمات تقديم الأطعمة والمشروبات بنسبة 1%.
من جهة أخرى، سجل قسم العناية الشخصية والحماية الاجتماعية والسلع والخدمات الأخرى ارتفاعاً بنسبة 7.9%، متأثراً بزيادة أسعار الأمتعة الشخصية الأخرى بنسبة 25.9%، والتي بدورها تأثرت بارتفاع أسعار المجوهرات والساعات بنسبة 28.1%. كما ارتفعت أسعار التأمين والخدمات المالية بنسبة 3.3%، وأسعار الترفيه والرياضة والثقافة بنسبة 2.3%، وخدمات التعليم بنسبة 1.6%، والأغذية والمشروبات بنسبة 0.2%.
في المقابل، شهدت بعض الأقسام انخفاضاً في الأسعار، مما ساهم في كبح جماح التضخم العام. فقد تراجعت أسعار قسم الأثاث والتجهيزات المنزلية والصيانة الدورية للمنزل بنسبة 0.3%، متأثرة بانخفاض أسعار الأثاث والمفروشات والسجاد بنسبة 3%. كما انخفضت أسعار الصحة بنسبة 0.1%، نتيجة لتراجع أسعار خدمات العيادات الخارجية بنسبة 0.4%.
الأهمية والتأثير المتوقع
يعتبر هذا التباطؤ في معدل التضخم مؤشراً قوياً على فعالية السياسات الحكومية في إدارة الاقتصاد. على الصعيد المحلي، يعني استقرار الأسعار تعزيز القوة الشرائية للمواطنين والمقيمين، مما يدعم الاستهلاك المحلي ويساهم في تحسين مستوى المعيشة. كما يعزز هذا الاستقرار ثقة المستثمرين في البيئة الاقتصادية للمملكة، مما يجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية والمحلية، وهو أمر حيوي لتحقيق أهداف رؤية 2030 في تنويع الاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة.
إقليمياً ودولياً، يعكس الأداء التضخمي للمملكة مرونتها الاقتصادية في مواجهة التقلبات العالمية. ففي الوقت الذي لا تزال فيه العديد من الاقتصادات الكبرى تكافح للسيطرة على التضخم، يبرز الأداء السعودي كنموذج للاستقرار. هذا يعزز مكانة المملكة كشريك اقتصادي موثوق ويساهم في الاستقرار الاقتصادي الإقليمي. كما أن قدرة السعودية على التحكم في التضخم تمنح البنك المركزي مرونة أكبر في إدارة السياسة النقدية، بما يخدم أهداف النمو الاقتصادي الشامل.
نظرة على التغيرات الشهرية
على أساس شهري، سجل مؤشر أسعار المستهلك في يناير الماضي ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.2% مقارنة بديسمبر الذي سبقه. ويعزى هذا الارتفاع بشكل أساسي إلى زيادة أسعار قسم السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 0.5%، مدفوعة بارتفاع الإيجارات الفعلية للسكن بنسبة 0.5%. كما شهدت أقسام النقل، والمطاعم وخدمات الإقامة، والعناية الشخصية، والترفيه، والملابس والأحذية، والتأمين والخدمات المالية ارتفاعات طفيفة. في المقابل، انخفضت أسعار الأغذية والمشروبات، والمعلومات والاتصالات، بينما استقرت أسعار خدمات التعليم، والصحة، والأثاث والتجهيزات المنزلية، والتبغ، مما يدل على توازن في حركة الأسعار على المدى القصير.
إن استمرار تباطؤ التضخم في السعودية يعكس نجاح السياسات الاقتصادية المتبعة، ويؤكد على التزام المملكة بتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي، مما يبشر بمستقبل مزدهر في ظل رؤية 2030.


