تتزايد التكهنات حول مستقبل القيادة في كوريا الشمالية، مع تصاعد الحديث عن خليفة محتمل للزعيم الحالي كيم جونغ أون. في ظل الظهور المتكرر لابنته كيم جو آي في المناسبات الرسمية، يبرز سؤال ملح: هل ستكون الابنة الشابة هي الوريثة الشرعية، أم أن أخته القوية كيم يو جونغ هي الأقرب لتولي زمام الأمور؟ هذا التساؤل يفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة قد تشهد صراعاً دموياً على السلطة داخل العائلة الحاكمة، وفقاً لتحذيرات مسؤولين استخباراتيين سابقين.
الخلفية التاريخية: سلالة بايكتو والحكم الوراثي
تعتبر كوريا الشمالية دولة فريدة من نوعها في العالم، حيث يحكمها نظام وراثي منذ تأسيسها على يد كيم إيل سونغ. وقد توارث الحكم أبناؤه وأحفاده ضمن ما يُعرف بـ “سلالة بايكتو” المقدسة. فبعد كيم إيل سونغ، تولى ابنه كيم جونغ إيل القيادة، ثم خلفه ابنه كيم جونغ أون في ديسمبر 2011. هذا التقليد العائلي يضفي أهمية قصوى على مسألة الخلافة، ويجعل أي تغيير محتمل في القيادة أمراً ذا تداعيات عميقة على الاستقرار الداخلي والإقليمي. إن استمرارية هذه السلالة هي حجر الزاوية في شرعية النظام الكوري الشمالي، مما يجعل اختيار الخلف أمراً حيوياً ومحاطاً بالسرية والتعقيد.
المرشحتان المحتملتان: كيم جو آي وكيم يو جونغ
تُشير وكالة الاستخبارات الكورية الجنوبية إلى أن المراهقة كيم جو آي، التي يُعتقد أنها في الثالثة عشرة من عمرها، قد تكون قريبة من التعيين كزعيمة مستقبلية للبلاد، في خطوة تهدف إلى تمديد حكم العائلة إلى الجيل الرابع. ظهورها المتكرر إلى جانب والدها في فعاليات عسكرية وسياسية رفيعة المستوى، مثل إطلاق الصواريخ الباليستية، يُعدّ إشارة قوية وغير مسبوقة في ثقافة كوريا الشمالية المحافظة، مما يثير تكهنات بأنها تُعدّ للدور القيادي. ومع ذلك، فإن صغر سنها وقلة خبرتها قد يشكلان تحدياً كبيراً في مجتمع يهيمن عليه الرجال وكبار السن.
في المقابل، تبرز كيم يو جونغ، الأخت الصغرى لكيم جونغ أون، كشخصية سياسية وعسكرية قوية وذات نفوذ كبير. تُوصف بأنها “طموحة وقاسية” من قبل دبلوماسيين سابقين، وهي تتمتع بدعم سياسي وعسكري واسع داخل حزب العمال الكوري، ويُنظر إليها على أنها ثاني أقوى شخصية في البلاد. تبلغ كيم يو جونغ 38 عاماً، ولديها خبرة واسعة في إدارة الشؤون الداخلية والخارجية، وقد مثّلت كوريا الشمالية في مناسبات دولية رفيعة المستوى. يُعتقد أنها تخطط للاستيلاء على السلطة في حال وفاة شقيقها أو عجزه، مما قد يعرض طموحات كيم جو آي للخطر.
سجل العائلة الدموي ومخاوف الصراع
يكشف سجل عائلة كيم الحافل بالصراعات الداخلية عن طبيعة الحكم القاسية في بيونغ يانغ. فبعد عامين فقط من توليه السلطة، قام كيم جونغ أون بإعدام عمه ومعلمه، جانغ سونغ ثايك، في ديسمبر 2013 بتهمة “الخيانة” و”الأعمال المعادية للحزب والثورة”. وفي عام 2017، تم اغتيال أخيه غير الشقيق الأكبر، كيم جونغ نام، في مطار كوالالمبور بغاز الأعصاب، وهو الذي كان يُنظر إليه في السابق كزعيم محتمل في المستقبل. هذه الأحداث تُبرز أن أي صراع داخلي على السلطة في كوريا الشمالية لا يمكن أن يمر دون عواقب وخيمة، مما يزيد من المخاوف بشأن استقرار البلاد في حال حدوث فراغ مفاجئ في السلطة.
صحة الزعيم كيم جونغ أون كعامل محفز
تتزامن هذه التكهنات حول الخلافة مع انتشار شائعات واسعة النطاق حول صحة كيم جونغ أون، الذي يبلغ من العمر 42 عاماً. تُشير تقارير غربية إلى معاناته من مجموعة من المشكلات الصحية، بما في ذلك إدمان الكحول والتدخين، وداء السكري، وارتفاع ضغط الدم، بالإضافة إلى وزنه الزائد الذي يقارب 140 كيلوغراماً. هذه العوامل الصحية تُعزز الحاجة الملحّة لترتيبات الخلافة، وتُثير القلق بشأن قدرته على الاستمرار في قيادة البلاد على المدى الطويل. وقد حذر تقرير صادر عن موقع “38 نورث” الأمريكي في ديسمبر الماضي من “اضطرابات” كبيرة في حال وفاة كيم المفاجئة، مشيراً إلى احتمال كبير لاندلاع صراع على السلطة بين المرشحين المحتملين.
التأثيرات المتوقعة: محلياً وإقليمياً ودولياً
إن أي صراع على السلطة في كوريا الشمالية سيكون له تداعيات هائلة تتجاوز حدود البلاد. على الصعيد المحلي، قد يؤدي إلى عدم استقرار سياسي واجتماعي، وربما قمع عنيف لأي معارضة. إقليمياً، ستكون دول الجوار مثل كوريا الجنوبية والصين واليابان الأكثر تأثراً، حيث يمكن أن يؤدي الفراغ القيادي إلى تصعيد التوترات العسكرية، أو تدفق اللاجئين، أو حتى تغيير في ديناميكيات المفاوضات النووية. دولياً، تثير مسألة الخلافة قلقاً بالغاً نظراً لامتلاك كوريا الشمالية أسلحة نووية. فعدم اليقين بشأن من سيسيطر على هذه الترسانة، وكيف ستُدار البلاد في فترة انتقالية، يمثل تحدياً كبيراً للأمن العالمي. إن طبيعة النظام الكوري الشمالي المغلقة تجعل التنبؤ بالنتائج أمراً شبه مستحيل، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى هذا المشهد السياسي المحفوف بالمخاطر.


