في تصريح لافت يعكس عمق الأزمة الأوكرانية وتعقيداتها، أعلن نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل غالوزين، استعداد بلاده لمناقشة فكرة إدارة خارجية مؤقتة لأوكرانيا. وقد اقترح غالوزين أن تتم هذه الإدارة تحت رعاية الأمم المتحدة، وبمشاركة الولايات المتحدة ودول أخرى، مما يشير إلى رؤية روسية محددة لمستقبل أوكرانيا بعد انتهاء الصراع.
خلفية تاريخية وسياق الأزمة الأوكرانية
تأتي هذه المقترحات في ظل صراع مستمر منذ فبراير 2022، والذي تصاعد بشكل كبير بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014 ودعمها للانفصاليين في إقليم دونباس. لطالما اعتبرت روسيا توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) نحو حدودها تهديدًا لأمنها القومي، وهو ما شكل جزءًا أساسيًا من مبرراتها للعملية العسكرية في أوكرانيا. من جانبها، ترى أوكرانيا وحلفاؤها الغربيون أن الهجوم الروسي هو انتهاك صارخ لسيادتها ووحدة أراضيها، ويشكل سابقة خطيرة للنظام الدولي.
فكرة الإدارة الخارجية المؤقتة ليست جديدة في سياق النزاعات الدولية، فقد طُبقت في مناطق مثل البوسنة والهرسك وكوسوفو بعد حروب التسعينيات، بهدف تحقيق الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات. ومع ذلك، فإن تطبيقها في حالة أوكرانيا، التي تتمتع بسيادة معترف بها دوليًا، يثير تساؤلات كبيرة حول مدى قبولها من قبل كييف والمجتمع الدولي، خاصة وأنها قد تُفسر على أنها محاولة لفرض حلول تتجاوز الإرادة الوطنية الأوكرانية.
أوروبا تحرم نفسها من طاولة المفاوضات
وفي سياق متصل، انتقد غالوزين الموقف الأوروبي، معتبرًا أن أوروبا قد حرمت نفسها فعليًا من مقعد على طاولة المفاوضات بشأن التسوية الأوكرانية. وعزا ذلك إلى ما وصفه بـ “الجمود الأيديولوجي” ورفضها الانخراط في حوار مباشر مع روسيا. وفي مقابلة مع وكالة “تاس” الروسية، أشار إلى أن المسؤولين الحاليين عن صياغة توجهات السياسة الخارجية لـ “أوروبا الموحدة” ارتكبوا خطأً استراتيجيًا بسبب “جمودهم الأيديولوجي وعدم كفاءتهم الصارخة”، على حد تعبيره. وأضاف غالوزين أن بروكسل، برفضها الحوار المباشر مع بلاده، “حرمت نفسها أساسًا من مكان على طاولة المفاوضات”. يعكس هذا التصريح وجهة النظر الروسية التي ترى أن الغرب يتخذ موقفًا متشددًا يمنع أي تقدم دبلوماسي.
تأثير الهجمات الروسية على البنية التحتية الأوكرانية
في المقابل، تتواصل الهجمات الروسية على البنية التحتية الأوكرانية، مما يزيد من معاناة المدنيين ويعقد جهود السلام. فقد أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، أن جميع محطات توليد الطاقة في أوكرانيا قد تضررت جراء الهجمات الروسية. هذا الوضع يحرم ملايين الأوكرانيين من مصادر التدفئة في ظل انخفاض درجات الحرارة، مما يهدد بحدوث أزمة إنسانية واسعة النطاق. وأكد زيلينسكي أنه “لا توجد محطة واحدة لتوليد الطاقة في أوكرانيا لم تتضرر من الضربات الروسية”، مشيدًا بآلاف العمال الذين يبذلون جهودًا مضنية لإصلاح المحطات وإعادة التيار الكهربائي.
تعتبر الهجمات على البنية التحتية المدنية استراتيجية روسية تهدف إلى إضعاف الروح المعنوية الأوكرانية وتقويض قدرة البلاد على مواصلة المقاومة. وقد قوبلت هذه الهجمات بإدانة دولية واسعة، وتعمل الدول الغربية على تقديم الدعم اللازم لأوكرانيا لإصلاح شبكاتها الكهربائية وتوفير مولدات الطاقة.
مطالبة بتسريع تسليم أنظمة الدفاع الجوي
وفي ظل هذه الهجمات، دعا زيلينسكي إلى تسريع وتيرة تسليم أنظمة الدفاع الجوي التي توفرها الدول الغربية لأوكرانيا. وأشار إلى أن هذه الأنظمة، مثل باتريوت وناسماس، ضرورية لحماية المدن والبنية التحتية الحيوية من الصواريخ والطائرات المسيرة الروسية. وقال: “نتمكن أحيانًا من إيصال صواريخ جديدة لأنظمة باتريوت أو ناسامس قبيل وقوع هجوم، وأحيانًا في اللحظة الأخيرة”. وأضاف أن “لا أحد في أوكرانيا يعتقد أن بوتين سيترك شعبنا وشأنه”، مؤكدًا على الحاجة الملحة للدعم العسكري المستمر.
إن سرعة وكفاءة تسليم أنظمة الدفاع الجوي الغربية تعد عاملًا حاسمًا في قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها وتقليل الخسائر البشرية والمادية. وقد كانت هذه المسألة نقطة خلاف مستمرة بين كييف وبعض حلفائها، حيث تطالب أوكرانيا دائمًا بالمزيد وبشكل أسرع.
تحذير من تكرار “اتفاق ميونيخ” ومستقبل المفاوضات
وفي سياق تحذيراته، اتهم زيلينسكي موسكو بالسعي لتكرار “اتفاق ميونيخ” عام 1938، الذي شهد تقسيم تشيكوسلوفاكيا واندلاع الحرب العالمية الثانية بعد عام واحد. واعتبر أن الاعتقاد بإمكانية إنهاء هذه الحرب بشكل نهائي بتقسيم أوكرانيا هو وهم، تمامًا كما كان وهمًا الاعتقاد بأن التضحية بتشيكوسلوفاكيا ستنقذ أوروبا من حرب كبرى. هذا التشبيه التاريخي يؤكد على رفض أوكرانيا القاطع لأي تنازلات إقليمية ويشدد على أهمية الحفاظ على وحدة أراضيها.
أكد زيلينسكي أن كييف تبذل كل ما في وسعها لإنهاء الحرب، وأن الضمانات الأمنية الفعالة هي السبيل الوحيد للتوصل إلى اتفاق ومنع غزوات مستقبلية، مشددًا على أنه لا يمكن ترك أي ثغرة يمكن لروسيا استغلالها لإشعال حرب. هذه التصريحات تعكس الموقف الأوكراني الثابت بضرورة الحصول على ضمانات أمنية قوية كجزء من أي تسوية مستقبلية، لضمان عدم تكرار العدوان.
فيما يتعلق بالمفاوضات، ذكرت الأنباء الأصلية عن محادثات محتملة في جنيف برعاية أمريكية. ومع ذلك، فإن طبيعة هذه المحادثات ومستوى مشاركة روسيا وأوكرانيا فيها لا تزال غير واضحة، خاصة في ظل المطالب الروسية بانسحاب أوكرانيا من منطقة دونيتسك والاعتراف بضم الأراضي الأوكرانية التي تحتلها. هذه المطالب تمثل عقبة كبرى أمام أي حل دبلوماسي، حيث ترفض أوكرانيا والمجتمع الدولي بشكل قاطع الاعتراف بأي ضم غير قانوني للأراضي.
تظل الأزمة الأوكرانية معقدة ومتشابكة، وتتطلب حلولًا دبلوماسية تتجاوز المواقف المتصلبة لكلا الجانبين، مع الحفاظ على مبادئ القانون الدولي وسيادة الدول.


