في خطوة تعكس عمق الأزمة السياسية والدستورية التي يمر بها العراق، لجأ رئيس مجلس النواب العراقي، محمد الحلبوسي، إلى المحكمة الاتحادية العليا بطلب رسمي لتفسير نص دستوري يتعلق بآلية انتخاب رئيس الجمهورية. يأتي هذا الإجراء في ظل تعثر متكرر لعقد جلسات مكتملة النصاب القانوني اللازم لحسم هذا الاستحقاق الدستوري الحيوي، مما يضع البلاد في حالة من عدم اليقين السياسي.
ووفقًا لوثيقة رسمية صادرة عن رئاسة مجلس النواب، والتي تحمل تاريخ اليوم (الأحد)، فإن الطلب يستند إلى نصوص الدستور العراقي وقانون المحكمة الاتحادية. ويهدف بشكل خاص إلى تفسير المادة (72/ثانيًا/ب) من الدستور، التي تنص على استمرار رئيس الجمهورية في ممارسة مهامه بعد انتهاء ولايته لحين انتخاب رئيس جديد، شريطة أن يتم هذا الانتخاب خلال 30 يومًا من تاريخ انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب الجديد. هذه المادة تثير تساؤلات حول صلاحيات الرئيس المستمر في منصبه والمدة الزمنية المسموح بها لهذا الاستمرار في حال تعذر انتخاب خلف له.
توضح الوثيقة أن عملية انتخاب رئيس الجمهورية لم تتم ضمن المدة الدستورية المحددة، على الرغم من استمرار مجلس النواب في عقد جلساته. ويعزى هذا الفشل إلى عدم اكتمال النصاب القانوني المطلوب في معظم الجلسات المخصصة لهذا الغرض. وقد أشار الطلب إلى أن المجلس يواصل عقد جلساته الاعتيادية وفقًا لجدول أعماله المعتاد، دون إدراج فقرة انتخاب رئيس الجمهورية، وذلك لعدم تحقق النصاب المطلوب. لذا، فإن المحكمة الاتحادية مدعوة لتقديم رأيها القانوني الحاسم في هذا الشأن، لتوضيح الإطار الدستوري الذي يجب أن يتبعه البرلمان في مثل هذه الظروف.
السياق العام والخلفية التاريخية للأزمة الدستورية في العراق:
منذ إقرار الدستور العراقي عام 2005 وتشكيل النظام السياسي الجديد بعد عام 2003، واجه العراق تحديات متكررة في عملية تشكيل الحكومات وانتخاب الرئاسات الثلاث (الجمهورية، الوزراء، البرلمان). يقوم النظام السياسي العراقي على ديمقراطية برلمانية تعتمد على مبدأ التوافق وتقاسم السلطة، المعروف بـ “المحاصصة”. بموجب هذا التفاهم غير المكتوب، يُخصص منصب رئيس الجمهورية عادةً للمكون الكردي، ورئاسة الوزراء للمكون الشيعي، ورئاسة البرلمان للمكون السني. ورغم أن هذا التوزيع يهدف إلى ضمان تمثيل جميع المكونات، إلا أنه غالبًا ما يؤدي إلى جمود سياسي وصعوبة في التوافق على المرشحين، خاصة في ظل التنافسات الداخلية ضمن كل مكون.
لطالما كانت المحكمة الاتحادية العليا هي الملاذ الأخير لحل النزاعات الدستورية وتفسير النصوص الغامضة، وقد لعبت دورًا حاسمًا في فك العديد من العقد السياسية السابقة. هذا اللجوء المتكرر للمحكمة يؤكد على دورها المحوري كضامن للدستور واستقرار العملية السياسية في البلاد.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع:
إن عدم انتخاب رئيس للجمهورية في الموعد الدستوري المحدد لا يمثل مجرد تأخير إجرائي، بل هو مؤشر على أزمة سياسية أعمق ذات تداعيات خطيرة على المستويين المحلي والإقليمي. على الصعيد المحلي، يؤدي هذا الفراغ الدستوري إلى شلل في عمل الدولة، حيث أن رئيس الجمهورية هو الذي يكلف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة الجديدة، ويصادق على القوانين، ويصدر المراسيم الجمهورية. استمرار هذا الوضع يعيق إقرار الموازنة العامة، ويؤثر سلبًا على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، ويهز ثقة المستثمرين في بيئة الأعمال العراقية. كما أنه يغذي حالة الإحباط الشعبي من الطبقة السياسية.
أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي في العراق يثير قلق الدول المجاورة والمجتمع الدولي. العراق، بصفته لاعبًا رئيسيًا في المنطقة، يمكن أن يؤثر أي اضطراب فيه على الأمن الإقليمي، خاصة في سياق مكافحة الإرهاب والتحديات الاقتصادية. كما أن تأخر تشكيل الحكومة يعرقل قدرة العراق على اتخاذ قرارات حاسمة في السياسة الخارجية والتعاون الدولي، مما قد يفتح الباب أمام تدخلات خارجية أو يزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط.
ينص الدستور العراقي بوضوح على ضرورة انتخاب رئيس الدولة خلال مدة لا تتجاوز 30 يومًا من تاريخ انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب. وباحتساب هذه المدة من الجلسة الافتتاحية (التي جرت في تاريخ معين، وتم تجاوز المدة الدستورية)، فإن العراق قد دخل في فراغ دستوري منذ فترة ليست بالقصيرة. وقد أخفق مجلس النواب في عقد ثلاث جلسات متتالية لانتخاب رئيس الجمهورية، وهو المنصب الذي يقع على عاتقه تكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة الجديدة، مما يجعل حسم هذا الملف ضرورة قصوى لاستعادة الاستقرار الدستوري والسياسي في البلاد.


