بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ودّعت الساحة الإعلامية السعودية والعربية قامة صحفية وإعلامية بارزة، الزميل عبدالله القبيع، الذي انتقل إلى جوار ربه في العاصمة البريطانية لندن، بعد صراع مع المرض دام نحو شهر. يمثل رحيل القبيع خسارة فادحة للوسط الإعلامي، حيث ترك خلفه إرثاً مهنياً غنياً وبصمات واضحة في مسيرة الصحافة السعودية والإعلام العربي على مدار عقود طويلة، مخلفاً وراءه حالة من الحزن العميق بين زملائه ومحبيه وطلابه الذين تتلمذوا على يديه.
بدأ عبدالله القبيع مسيرته المهنية الحافلة في سبعينيات القرن الماضي، وهي فترة شهدت تحولات مهمة في المشهد الإعلامي السعودي، حيث كانت الصحافة المطبوعة في أوج ازدهارها وتأثيرها. انضم القبيع إلى جريدة عكاظ بين عامي 1976 و1980، حيث تدرج في عدة مناصب شملت محرراً وسكرتيراً للتحرير ومخرجاً صحفياً، مما أكسبه فهماً عميقاً لجميع جوانب العمل الصحفي من التحرير إلى الإخراج الفني. هذه الخبرة الشاملة كانت أساساً قوياً لمسيرته اللاحقة. انتقل بعدها إلى جريدة المدينة بين عامي 1980 و1984، ليتولى رئاسة قسم الإخراج ومسؤولية الفنون، مؤكداً بذلك شغفه بالجانب الجمالي والتقني في صناعة الصحافة.
توسعت آفاق القبيع المهنية بانتقاله إلى لندن للعمل في صحيفة الشرق الأوسط الدولية، وهي خطوة تعكس طموحه ورغبته في المساهمة في إعلام عربي ذي بعد عالمي. بين عامي 1989 و2005، شغل مناصب حيوية كمحرر وسكرتير تحرير ومدير تحرير، حيث كان له دور محوري في تطوير الصحيفة وتوسيع انتشارها. كما أشرف على إطلاق أول مجلة فضائية “تي في” الصادرة عن الصحيفة، مما يدل على رؤيته الاستشرافية وقدرته على مواكبة التطورات التكنولوجية في الإعلام. هذه الفترة في الشرق الأوسط أكسبته بعداً إقليمياً ودولياً، وجعلته جسراً بين الصحافة السعودية والعربية والعالمية.
لم تتوقف إسهامات القبيع عند الصحافة المطبوعة، بل امتدت لتشمل الإعلام المرئي والرقمي. فقد عمل نائباً لرئيس تحرير جريدة الوطن، ورئيساً لتحرير مجلة “رؤى” في السعودية، مما يعكس قدرته على قيادة فرق العمل الإعلامية وتوجيه المحتوى. وفي المجال الإعلامي المرئي، ساهم بفعالية في إعداد برامج لعدد من القنوات العربية الرائدة مثل MBC وART، مقدماً بذلك خبرته الواسعة للجمهور عبر الشاشات. كان القبيع من أوائل من أدركوا أهمية التحول الرقمي للمحتوى والمنصات الإعلامية، وعمل جاهداً على دعم هذا التطور، والمشاركة في مبادرات لتعزيز حضور الإعلام السعودي إقليمياً ودولياً، مما جعله رائداً في مجال الاتصال المؤسسي الحديث.
إلى جانب مسيرته الصحفية والإعلامية، كان عبدالله القبيع كاتباً مرهف الحس، ترك بصمته في الأدب الوجداني من خلال إصداراته المعروفة مثل: «لك أنت»، «رسائلي إليك»، و«مشاغبات فضائي». هذه الأعمال كشفت عن جانب آخر من شخصيته، جانب المفكر والأديب الذي يمتلك القدرة على التعبير عن المشاعر الإنسانية العميقة، مما أضاف بعداً ثقافياً وفكرياً لإرثه المهني. لقد كانت هذه الإصدارات مرآة لروحه، تعكس رؤاه وتجاربه، وتثري المكتبة العربية بمحتوى فريد.
تلقى الوسط الإعلامي خبر وفاة القبيع بحزن عميق وصدمة كبيرة. نعاه عدد كبير من الإعلاميين والكتاب بكلمات مؤثرة، عكست مكانته الكبيرة واحترامهم له. وصفه الزميل جميل الذيابي بأنه «خبر مؤلم وصادم»، مؤكداً أن رحيله يمثل خسارة كبيرة لكل من عرفه، ومقدماً التعازي لعائلته وأصدقائه وزملائه. فيما قال الإعلامي عثمان العمير إن فقدانه يعد من أكثر المفاجآت إيلاماً، مضيفاً أن القبيع كان «ذاكرة صحافية تمشي على الأرض»، وهي شهادة تعكس عمق معرفته وخبرته التي لا تقدر بثمن. هذه الكلمات ليست مجرد تعازٍ، بل هي اعتراف بتأثيره العميق كمعلم وزميل وصديق.
برحيل عبدالله القبيع، يفقد الوسط الإعلامي اسماً ارتبط بالمهنية العالية، والأخلاق الرفيعة، والعلاقات الإنسانية الواسعة التي بناها مع زملائه على مدى عقود. لقد كان القبيع نموذجاً للصحفي الملتزم والمبدع، الذي لم يتوانَ عن تطوير نفسه ومواكبة أحدث التغيرات في عالم الإعلام. ستبقى بصمته المهنية وسيرته الحافلة حاضرتين في ذاكرة كل من عمل معه أو تابع تجربته الصحفية والإعلامية الممتدة لأكثر من أربعة عقود، لتكون مصدر إلهام للأجيال القادمة من الإعلاميين في السعودية والوطن العربي.


