تتجه الأنظار اليوم (الثلاثاء) نحو معهد العالم العربي في باريس، حيث تبدأ رسمياً مرحلة انتقال قيادية حاسمة. ففي اجتماع لمجلس الإدارة المكون من 14 عضواً، سبعة منهم يمثلون الدول العربية الأعضاء في جامعة الدول العربية وسبعة فرنسيون، من المتوقع أن يتم قبول استقالة الوزير الفرنسي السابق جاك لانغ. هذه الخطوة تمهد الطريق لاختيار رئيس جديد للمعهد، في أعقاب الجدل الذي أثير حول علاقات لانغ بشخصيات مثيرة للجدل، مما يستدعي قيادة جديدة لدفة هذه المؤسسة الثقافية الهامة.
معهد العالم العربي: جسر ثقافي وتاريخ عريق
يُعد معهد العالم العربي، الذي تأسس عام 1987 بمبادرة مشتركة من فرنسا و22 دولة عربية، صرحاً ثقافياً فريداً يهدف إلى تعزيز المعرفة بالثقافة والحضارة العربية في فرنسا وأوروبا، وتعميق الحوار بين العالمين العربي والغربي. يقع المعهد في مبنى أيقوني صممه المهندس المعماري جان نوفيل على ضفاف نهر السين في باريس، ويُعرف بواجهته الميكانيكية الفريدة التي تستوحي فن المشربيات العربية. على مدار عقود، لعب المعهد دوراً محورياً في تنظيم المعارض الفنية، الفعاليات الثقافية، المؤتمرات، وتقديم برامج تعليمية تهدف إلى كسر الصور النمطية وبناء جسور التفاهم المتبادل. وقد شهد المعهد تحت قيادة جاك لانغ، الذي تولى رئاسته منذ عام 2013، فترة من التجديد والنشاط المكثف، مما عزز مكانته كمنارة للثقافة العربية في قلب أوروبا.
آن-كلير لوجوندر: ترشيح يثير الترقب
في الأيام الماضية، برزت عدة أسماء لخلافة لانغ، من بينها أودري أزولاي وسابرينا أغريستي-روباش، لكن الأنظار سرعان ما اتجهت نحو اسم آن-كلير لوجوندر. وقد أكد وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو هذا التوجه، معلناً عبر منصة “إكس” (تويتر سابقاً) أنه اقترح، من خلال ممثل وزارته في مجلس الإدارة، تعيين لوجوندر عضواً ممثلاً لفرنسا ورئيسة لمجلس الإدارة. هذا الترشيح يحمل في طياته دلالات كبيرة، ليس فقط على مستوى القيادة، بل أيضاً على مستوى الرسالة التي يود المعهد إيصالها للعالم.
خبرة عربية ورؤية استراتيجية لقيادة دبلوماسية ثقافية
تتمتع آن-كلير لوجوندر بسيرة مهنية حافلة تجعلها مرشحة مثالية لهذا المنصب الرفيع. فهي دبلوماسية مخضرمة ومستشارة مقربة من الرئيس إيمانويل ماكرون، وتُعد من أكثر المرشحين إلماماً بملفات العالم العربي. شغلت سابقاً منصب سفيرة فرنسا لدى الكويت، وكانت متحدثة باسم وزارة أوروبا والشؤون الخارجية، وتشغل حالياً منصب مستشارة الرئيس لشؤون شمال أفريقيا والشرق الأوسط. وإلى جانب هذه الخبرات الدبلوماسية العميقة، تتقن لوجوندر اللغة العربية بطلاقة، مما يعزز قدرتها على التواصل الفعال وفهم تعقيدات المنطقة. وقد أشاد بارو في بيانه بأن لوجوندر “تتمتع بالخبرة والرؤية الاستراتيجية اللازمتين لتولي هذه المسؤوليات الرفيعة”، مؤكداً أنها، في حال انتخابها، ستصبح أول امرأة تترأس مجلس إدارة المعهد.
تأثير تاريخي ومستقبل واعد
إن تولي امرأة قيادة معهد العالم العربي يمثل سابقة تاريخية ويحمل رمزية قوية. ففي عالم غالباً ما يواجه فيه دور المرأة تحديات، تبعث هذه الخطوة برسالة إيجابية حول الانفتاح والتقدم، وتؤكد على أهمية الكفاءة والخبرة بغض النظر عن الجنس. من المتوقع أن تساهم لوجوندر بخبرتها الدبلوماسية ورؤيتها الاستراتيجية في تعزيز دور المعهد كمنصة للحوار الثقافي والفني، وتوسيع نطاق تأثيره ليشمل قضايا معاصرة تهم الشباب العربي والفرنسي على حد سواء. كما يمكن أن تسهم في تطوير برامج جديدة تعكس التنوع الثقافي للمنطقة وتحدياتها، وتعمق الشراكات مع المؤسسات الثقافية والأكاديمية في العالم العربي. وفقاً لمصادر متطابقة، من المتوقع أن يحظى ترشيحها بإجماع أعضاء المجلس خلال اجتماع الثلاثاء، مما يمهد الطريق لمرحلة جديدة في مسيرة المعهد، تتسم بالدبلوماسية الثقافية بقيادة نسائية للمرة الأولى، وهو ما قد يعزز صورة المعهد كجسر حيوي للتفاهم المتبادل في المشهد الثقافي الدولي.


