spot_img

ذات صلة

السويد واليورو: نقاش متجدد حول التخلي عن الكرونة والانضمام للمنطقة الموحدة

تشهد السويد حالياً نقاشاً متجدداً ومكثفاً بين الساسة والخبراء حول إمكانية التخلي عن عملتها الوطنية، الكرونة السويدية، والانضمام إلى منطقة اليورو. يأتي هذا التوجه مدفوعاً بتغيرات عميقة في النظام العالمي، مما يعيد صياغة المشهد بعد عقدين من رفض السويديين للعملة الموحدة في استفتاء عام 2003.

خلفية تاريخية: مسار السويد مع الاتحاد الأوروبي واليورو

انضمت السويد إلى الاتحاد الأوروبي في عام 1995، ولكنها، على غرار الدنمارك، اختارت عدم الانضمام إلى منطقة اليورو. وقد تم تأكيد هذا القرار في استفتاء شعبي أُجري في عام 2003، حيث صوت 56% من السويديين ضد تبني اليورو. كانت الأسباب الرئيسية لهذا الرفض تتمحور حول المخاوف من فقدان السيادة النقدية، وتأثير ذلك على الهوية الوطنية، بالإضافة إلى القلق من عدم الاستقرار الاقتصادي المحتمل. لطالما كانت الكرونة السويدية، التي تعود جذورها إلى عام 1873، رمزاً للاستقلال الاقتصادي للبلاد.

دوافع التغيير الحالية: الأمن والاقتصاد

تتزايد الدعوات للانضمام إلى اليورو اليوم كضرورة أمنية واقتصادية ملحة. فمن الناحية الجيوسياسية، ومع التوترات المتصاعدة في أوروبا، وخاصة بعد الحرب في أوكرانيا وطلب السويد الانضمام إلى حلف الناتو، ترى شخصيات مثل سيسيليا رون، البرلمانية عن الحزب الليبرالي، أن عضوية الناتو وحدها قد لا تكون كافية. وتؤكد رون على أن التكامل النقدي يوفر حماية اقتصادية إضافية للاقتصادات الصغيرة في مواجهة صراعات القوى العظمى.

أما من الناحية الاقتصادية، فقد شهدت الكرونة السويدية ضعفاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة مقابل العملات الرئيسية مثل اليورو والدولار. هذا الضعف ساهم في ارتفاع معدلات التضخم وجعل الواردات أكثر تكلفة، مما أعاد إشعال النقاش حول الفوائد المحتملة للاستقرار الذي توفره عملة منطقة اقتصادية أكبر وأكثر قوة.

الفوائد المتوقعة من الانضمام لليورو

تعزيز الاستقرار الاقتصادي والنفوذ

ترى الأوساط السياسية في ستوكهولم أن تبني اليورو سيمنح السويد مقعداً مؤثراً في عملية صنع القرار المالي الأوروبي، مما يعزز من نفوذها داخل الاتحاد الأوروبي. كما أن التوافق الاقتصادي المتزايد بين الدورة الاقتصادية السويدية ومنطقة اليورو، كما كشف تقرير الخبير لارس كالمفورز، يجعل الانضمام أكثر جدوى الآن مقارنة بالماضي. ويشير كالمفورز إلى أن الاستقلالية النقدية لم تعد ميزة حاسمة، خاصة مع تجاوز الاعتماد التجاري على الكتلة الأوروبية 60%.

دعم قطاع الأعمال والاستثمار

يدعم قادة الأعمال في السويد هذا التوجه بقوة. فكبار المستثمرين، مثل كريستر جارديل، يصفون الكرونة بأنها عملة “صغيرة ومتقلبة” وتشكل عائقاً أمام الصناعة السويدية بسبب ضعف سيولتها وتقلباتها المستمرة. ويرى قادة الشركات أن توحيد العملة سيزيل مخاطر الصرف الأجنبي، ويقلل من تكاليف المعاملات للشركات التي تتعامل مع منطقة اليورو، ويحفز الاستثمارات المباشرة الأجنبية من خلال توفير بيئة أكثر استقراراً وشفافية في الأسعار.

كما أن الانضمام إلى اليورو سيسهم في زيادة الشفافية في الأسعار عبر الدول الأعضاء، مما قد يعزز المنافسة ويصب في مصلحة المستهلكين والشركات على حد سواء.

التحديات المحتملة

بالرغم من الفوائد المحتملة، لا يخلو الانضمام إلى اليورو من تحديات. أبرزها فقدان البنك المركزي السويدي (Riksbank) قدرته على تحديد السياسة النقدية وأسعار الفائدة بشكل مستقل، مما قد يحد من مرونة السويد في الاستجابة للصدمات الاقتصادية المحلية. كما أن هناك حاجة للتغلب على الشكوك التاريخية لدى الرأي العام السويدي وإقناعه بجدوى هذه الخطوة.

خاتمة

يعكس هذا النقاش المتجدد إعادة تقييم أوسع لمكانة السويد في أوروبا والاقتصاد العالمي. ففي عالم يتسم بعدم اليقين المتزايد، يبدو أن السويد تسعى إلى الموازنة بين الحفاظ على سيادتها الوطنية وجني الفوائد الملموسة للتكامل الأعمق مع شركائها الأوروبيين.

spot_imgspot_img