أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، يوم الثلاثاء، أن بلاده تسعى جاهدة لتحقيق نتائج ملموسة وحقيقية في المحادثات الجارية مع واشنطن بشأن الملف النووي. جاء هذا التصريح بعد ساعات قليلة من اختتام جولة مفاوضات مكثفة بين إيران والولايات المتحدة في جنيف، والتي جرت برعاية عمانية كريمة، في إطار الجهود الدبلوماسية المستمرة لإيجاد حلول للقضايا العالقة.
وشدد بزشكيان على أن هذه المفاوضات تتم “بتنسيق كامل وبإذن من المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي”، موضحاً أن الهدف الأساسي ليس مجرد “الدخول في حوار من أجل الحوار”، بل “معالجة القضايا بشكل حقيقي” يفضي إلى نتائج ملموسة على الأرض. وأضاف الرئيس الإيراني: “نحن نسعى بجدية للوصول إلى نتيجة، ونأمل أن يفضي هذا المسار إلى مخرجات ملموسة تخدم مصالح بلادنا والمنطقة”.
وفي سياق متصل، جدد بزشكيان التأكيد على أن إيران “لا تسعى إطلاقاً لامتلاك أسلحة نووية”، مشيراً إلى أن بلاده منفتحة على أي تحقيق يطلبه أي طرف للتحقق من هذا الادعاء. يعكس هذا الموقف رغبة طهران في تبديد المخاوف الدولية بشأن طبيعة برنامجها النووي، مع الحفاظ على حقها في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
من جانبه، أشار مسؤول أمريكي، في تصريح له اليوم، إلى أن إيران ستقدم مقترحات مفصلة خلال الأسبوعين القادمين لسد الفجوات القائمة في المحادثات النووية مع الولايات المتحدة. وأوضح أن “تقدماً قد أحرز، لكن لا يزال هناك الكثير من التفاصيل التي تحتاج إلى مناقشة”. بدوره، كان وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، قد صرح بأن “المباحثات اختتمت بتقدم جيد نحو تحديد الأهداف المشتركة والقضايا الفنية ذات الصلة”، واصفاً أجواء الاجتماعات بأنها “بناءة” وأن الطرفين بذلا “جهوداً جادة لوضع عدد من المبادئ التوجيهية لاتفاق نهائي”.
تأتي هذه الجولة من المفاوضات في ظل تاريخ طويل ومعقد للملف النووي الإيراني، الذي بدأ يثير قلق المجتمع الدولي منذ أوائل الألفية الجديدة. وقد توجت الجهود الدبلوماسية الدولية في عام 2015 بالتوصل إلى الاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) بين إيران ومجموعة 5+1 (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا والاتحاد الأوروبي). نص الاتفاق على رفع العقوبات الدولية المفروضة على إيران مقابل قيود صارمة على برنامجها النووي، بهدف ضمان طابعه السلمي.
إلا أن هذا الاتفاق تعرض لانتكاسة كبيرة في عام 2018 عندما انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية منه أحادياً في عهد الرئيس دونالد ترامب، وأعادت فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران. رداً على ذلك، بدأت إيران تدريجياً في تقليص التزاماتها بموجب الاتفاق، مما أدى إلى تصاعد التوترات وتجدد المخاوف بشأن قدراتها النووية. ومنذ ذلك الحين، تتواصل الجهود الدبلوماسية، بوساطة دول مثل عمان والاتحاد الأوروبي، لمحاولة إحياء الاتفاق أو التوصل إلى تفاهم جديد يضمن الاستقرار الإقليمي والدولي.
إن أهمية هذه المفاوضات تتجاوز حدود البلدين لتشمل المنطقة والعالم بأسره. فعلى الصعيد الإقليمي، يمكن أن يؤدي التوصل إلى اتفاق إلى تخفيف حدة التوترات في الشرق الأوسط، وتعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الخليج التي تعد شرياناً حيوياً للطاقة العالمية. أما على الصعيد الدولي، فإن نجاح هذه المحادثات سيمثل انتصاراً لجهود منع الانتشار النووي، ويعزز دور الدبلوماسية في حل النزاعات المعقدة، وقد يؤثر إيجاباً على أسواق الطاقة العالمية من خلال تخفيف العقوبات على صادرات النفط الإيرانية.
داخلياً، يواجه الرئيس بزشكيان، الذي يُنظر إليه على أنه شخصية إصلاحية، تحديات اقتصادية كبيرة ناجمة عن العقوبات. لذا، فإن تحقيق نتائج ملموسة في هذه المفاوضات من شأنه أن يوفر متنفساً للاقتصاد الإيراني، ويحسن الظروف المعيشية للمواطنين، ويعزز من شرعيته السياسية وقدرته على تنفيذ وعوده الانتخابية. هذا المسار الدبلوماسي يمثل فرصة حاسمة لإيران لتجاوز عزلتها الاقتصادية والدبلوماسية.
وعلى الرغم من التقدم المحرز، أكد الوزير العماني أن “الكثير من العمل لا يزال أمامنا”، وأن الطرفين غادرا الاجتماع “بخطوات واضحة للمضي قدماً قبل الاجتماع التالي” الذي لم يحدد موعده بعد. يبقى التفاؤل حذراً، لكن الإرادة المعلنة من جميع الأطراف لمعالجة القضايا بشكل حقيقي بدلاً من مجرد الحوار، تفتح الباب أمام إمكانية التوصل إلى حلول مستدامة للملف النووي الإيراني.


