
يُعدّ الشيخ أحمد بن خليل بن شاهين بن أحمد بن قبيس، المولود عام 1375هـ في محافظة قنا بصعيد مصر، أحد أبرز الأصوات القرآنية التي تركت بصمة عميقة في قلوب المستمعين. بفضل ما حباه الله من حنجرة نورانية وصوت شجي، أصبح الشيخ شاهين من أقرب القراء إلى الذائقة الروحانية، مقدماً تلاوات خاشعة تجسد عظمة القرآن الكريم وجماله.
رحلة الشيخ شاهين مع القرآن بدأت مبكراً في مسقط رأسه، حيث التحق بالدراسة في المرحلة الابتدائية، وفي غضون عامين فقط، أتم حفظ القرآن الكريم كاملاً على يد الشيخ أحمد السيد كيلاني رحمه الله، وهو إنجاز يعكس موهبته الفذة وتفانيه منذ الصغر. لم تتوقف طموحاته رغم وفاة والده قبل إنهاء المرحلة الابتدائية، بل كانت دافعاً له لمواصلة مسيرته العلمية. انتقل بعدها إلى محافظة سوهاج، حيث التقى الشيخ محمد عبدالرحمن البليني الذي قرأ عليه بعض أجزاء القرآن وأجازه فيها، مما أضاف إلى رصيده المعرفي والقرآني.
عقب عودته إلى بلدته، اتجه الشيخ أحمد بن خليل إلى القاهرة، عاصمة العلم والثقافة الإسلامية، ليكمل بها ما بدأه في قريته. في القاهرة، التقى بالعديد من كبار العلماء والقراء، منهم الشيخ السيد محمد عباس رحمه الله، الذي قرأ عليه القرآن الكريم، وكذلك الشيخ عامر السيد عثمان، أحد أعلام القراءات في عصره. لم يكتفِ الشيخ شاهين بذلك، بل التحق بمعهد القراءات بالأزهر الشريف، منارة العلم الإسلامي، حيث درس التجويد لمدة عامين، ثم تلاها بمرحلة في القراءات استمرت ثلاثة أعوام، وأتمها بمرحلة التخصص في القراءات. خلال هذه السنوات، ألمّ الشيخ بالقراءات السبع والقراءات العشر الصغرى والقراءات العشر الكبرى، مستفيداً من علم وخبرة عدد كبير من العلماء البارزين أمثال الشيخ حسن الحلاواني، والشيخ محمد العتل، والشيخ عبدالرؤوف بري، وعبدالرحمن البري، والشيخ أحمد مصطفى حسنو، الذين صقلوا موهبته وعمقوا فهمه لعلوم القرآن.
تُعدّ تلاوة القرآن الكريم فناً وعلماً جليلاً في الثقافة الإسلامية، حيث لا يقتصر الأمر على مجرد النطق بالحروف، بل يتعداه إلى إتقان مخارجها وصفاتها، وفهم قواعد التجويد الدقيقة، وصولاً إلى استيعاب القراءات المختلفة التي توارثتها الأمة جيلاً بعد جيل. إن دور القارئ لا يقتصر على الأداء الصوتي فحسب، بل هو حافظ لأمانة عظيمة، وناقل لتراث نبوي، ومُعين للمسلمين على تدبر آيات الله. ومن هنا، تبرز أهمية المؤسسات التعليمية مثل الأزهر الشريف التي تضطلع بمهمة تخريج أمثال الشيخ أحمد بن خليل، لضمان استمرارية هذا الإرث العظيم.
بعد مسيرة حافلة بالتحصيل العلمي، انتقل الشيخ أحمد بن خليل بن شاهين إلى المملكة العربية السعودية، حيث عمل مدرساً في مدارس تفسير القرآن الكريم، ولا يزال يواصل عطاءه في هذا المجال. كما أسهم بفعالية في حلقات القرآن الكريم بالمساجد، التي تُعدّ ركيزة أساسية لتعليم الأجيال الجديدة. ولم يقتصر دوره على التدريس المباشر، بل شارك في دورات المعلمين التي تقيمها وزارة التربية والتعليم في المملكة، مما يعكس دوره المحوري في تطوير الكوادر التعليمية المتخصصة في القرآن وعلومه. كما أشرف على مسابقات قرآنية عدة ذات شأن كبير، مثل مسابقة الملك سلمان لحفظ القرآن الكريم، ومسابقة الحرس الوطني، ومسابقة إدارة التعليم في الرياض، وهي مسابقات تهدف إلى تشجيع حفظة كتاب الله وتكريمهم، وتُسهم في إبراز المواهب القرآنية الشابة.
إلى جانب هذه الجهود، ساهم الشيخ شاهين في العديد من الندوات العلمية المتخصصة في مجال القرآن وعلومه، سواء داخل المملكة أو خارجها، مما جعله مرجعاً علمياً يُستفاد من خبرته. ولعل من أبرز إنجازاته تسجيل المصحف المرتل كاملاً لإذاعة القرآن الكريم في المملكة، وهو عمل خالد يتيح لملايين المسلمين الاستماع إلى تلاواته العذبة والاستفادة منها، ويُعدّ إرثاً عظيماً يضاف إلى رصيده الحافل. إن تأثير شخصيات مثل الشيخ أحمد بن خليل يتجاوز حدود الزمان والمكان، فهو يسهم في تعزيز الوعي الديني، وتعميق الارتباط بالقرآن، وإلهام الأجيال القادمة للسير على دربه في حفظ كتاب الله وتدبره، خاصة في أوقات مباركة كشهر رمضان، حيث تتضاعف الأجور وتزداد الرغبة في الاستماع إلى “ألحان من السماء”.


