تتجاوز الأغنية في المشهد الخليجي والعربي مجرد كونها تقليدًا موسميًا عابرًا، بل تتحول في تجاربها الحديثة إلى علامة وجدانية تتجدد مع كل عام، وتعيد تشكيل علاقة المستمع بروح الشهر الكريم وإيقاعه الخاص. وفي قلب هذا التحول، برز لحن نجم «ستار أكاديمي» بشار الشطي في أغنية «مرحب مرحب يا هلال»، بوصفه العمل الذي رسخ حضوره خلال السنوات الأخيرة حتى غدا أيقونة رمضانية ثابتة في ذاكرة الجمهور العربي، بصوت حمود الخضر وكلمات هبة مشاري.
هذا الحضور المتجدد لا يقف عند حدود النجاح الجماهيري المعاصر، بل يفتح باب المقارنة مع زمن سابق كانت فيه الأغنية جزءًا أصيلًا من مشروع الرواد في الموسيقى السعودية. فلطالما ارتبطت الأغاني الرمضانية بوجدان الأمة العربية، فهي ليست مجرد نغمات عابرة، بل هي جزء لا يتجزأ من الطقوس الاحتفالية التي تسبق وتصاحب الشهر الفضيل. منذ عقود طويلة، شكلت هذه الأغاني جسرًا يربط الأجيال، حاملة معها عبق التقاليد وروحانية المناسبة. ومع ظهور برامج اكتشاف المواهب مثل «ستار أكاديمي»، أتيحت الفرصة لنجوم جدد لإعادة إحياء هذه الأعمال الخالدة، وتقديمها بأسلوب عصري يحافظ على جوهرها ويجذب جمهورًا أوسع.
في هذا السياق، يبرز اسم الموسيقار الراحل سراج عمر وطارق عبدالحكيم، اللذين قدما أعمالًا متعددة صاغت وجدان الشهر الكريم بلغة المقام والإنشاد. في سرد تاريخي يكشف كيف تغيرت الأدوات وتبدلت النجومية، بينما ظل البحث عن اللحن الخالد هو القاسم المشترك بين زمنين. سراج عمر، الذي يُعد أحد أبرز رواد الموسيقى السعودية، لم يكن مجرد ملحن عابر قدم عملًا أو عملين، بل كان صوتًا جعل من الشهر الكريم فضاءً دائمًا للبحث الموسيقي والتأمل اللحني، حتى بدأ حضوره في الأغاني والأناشيد الرمضانية امتدادًا طبيعيًا لمسيرته الفنية، لا فصلًا منفصلًا عنها.
يمتد الرصيد الرمضاني المرتبط بألحان سراج عمر عبر مجموعة أعمال تحمل سمات مشتركة في البناء اللحني والهوية الفنية له. منها: «شهر الصيام» و«يا ليالي رمضان» و«شهر التقى»، التي شكل فيها مع الشاعر الأديب الراحل أحمد با عطية ثنائية خاصة حيث غناها جميعها بنفسه، إلى جانب «هنيئًا هنيئًا» بوصفه آخر عمل لحنه وغناه مع الشاعر الراحل ضمن السياق الرمضاني. كما غنى «يا فرحنا برمضان» من كلمات صديقه الكاتب الراحل محمد رجب، وقدم لحن «تحية رمضان» بكلمات صالح أبو زيد، وغناء خالد مدني.
وفي سياق الأغاني ذاتها، برز حضور الموسيقار الراحل طارق عبدالحكيم عبر عدد من الأعمال التي جمع فيها بين التلحين والغناء، من بينها نشيد «نور الهدى برمضان» بكلمات سعيد الهندي، وألحان وغناء طارق عبدالحكيم، ضمن بنية لحنية تتكئ على المقام الشرقي والإيقاع الجماعي في الأداء الكورالي، بما يعكس طبيعة المعالجة الموسيقية التي ميزت أعماله في هذا اللون الروحي. هذه الأعمال تعكس مجتمعة حضورًا متكررًا لرواد الفن السعودي في الأغنية والأنشودة، وهو حضور يشير إلى اهتمام فني مستمر بهذا المسار داخل تجربتهم الموسيقية في تلك الحقبة، وصولًا إلى جيل اليوم الذي سلم الراية للجهات التجارية أو القنوات التي تصدت لهذا الدور بالترويج لعلامتها التجارية بفواصل غنائية دعائية.
إن إعادة إحياء هذه الأغاني الرمضانية الخالدة لا يقتصر على الحفاظ على التراث الفني فحسب، بل يساهم أيضًا في تعزيز الهوية الثقافية المشتركة بين الأجيال. فبينما يستمتع الكبار بذكريات الماضي، يتعرف الشباب على كنوز فنية أصيلة بأسلوب يلامس ذوقهم المعاصر. هذا التفاعل بين القديم والجديد يضمن استمرارية هذه الأعمال وتأثيرها، ويجعلها جزءًا حيًا من النسيج الثقافي العربي. كما هو الحال مع أغنية ماجد المهندس «رجعتك يا رمضان»، التي اليوم هي في قلب المشهد الرمضاني أيضًا، وضمن الأكثر رواجًا وارتباطًا برمضان.
كما برزت عدة أسماء فنية بتقديم أعمال غنائية تعبر عن وجدان الشهر الكريم، حيث يظهر اسم محمود خان مقرونًا بنشيد «آنست وهليت يا رمضان»، وعبدالقادر حلواني، وسمير الوادي، ومحمد عمر، وغيرهم. هذه الأعمال مجتمعة تشكل نسيجًا غنيًا من الإبداعات التي ترسخت في الذاكرة الجماعية، مؤكدة على أن الأغنية الرمضانية ليست مجرد ترفيه، بل هي مرآة تعكس الروحانية والبهجة التي يختص بها هذا الشهر الفضيل، وتساهم في تشكيل الوعي الثقافي والاجتماعي للمجتمعات العربية.


