تتجدد الآمال في التوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة النووية الإيرانية، مع الكشف عن مقترح إيراني جديد يقضي بتعليق تخصيب اليورانيوم مقابل رفع العقوبات الدولية. تأتي هذه التطورات في سياق مفاوضات حساسة تهدف إلى إعادة إحياء الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف بالخطة الشاملة المشتركة للعمل (JCPOA)، والذي شهد انسحاب الولايات المتحدة منه في عام 2018 في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب. أدى هذا الانسحاب إلى إعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران، مما دفع إيران تدريجياً إلى تقليص التزاماتها النووية وزيادة مستويات تخصيب اليورانيوم، الأمر الذي أثار قلق المجتمع الدولي من اقتراب إيران من عتبة امتلاك القدرة على تطوير أسلحة نووية.
في جولة مفاوضات حديثة جرت في جنيف، وصفها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأنها إيجابية وأحرزت تقدماً، كشفت مصادر إيرانية مطلعة عن تفاصيل المقترح الإيراني. يتضمن المقترح استعداد طهران لتعليق تخصيب اليورانيوم لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، وهي فترة تغطي تقريباً ولاية رئاسية أمريكية واحدة. بعد هذه الفترة، تقترح إيران الانضمام إلى تكتل إقليمي للتخصيب المدني، مما يشير إلى رغبة في إضفاء طابع إقليمي ودولي على برنامجها النووي المدني. بالإضافة إلى ذلك، أبدت إيران استعدادها لتخفيف مخزونها من اليورانيوم المخصب تحت إشراف مفتشين دوليين، في خطوة تهدف إلى بناء الثقة وتقليل المخاوف بشأن طبيعة برنامجها.
في المقابل، تتوقع إيران من الولايات المتحدة رفع العقوبات المالية والمصرفية المفروضة عليها، بالإضافة إلى إلغاء الحظر المفروض على صادراتها النفطية، وهو ما يمثل شريان الحياة لاقتصاد البلاد. وقد أشارت صحيفة ‘نيويورك تايمز’ إلى هذه المطالب، مؤكدة أن المسؤولين الإيرانيين لمّحوا أيضاً إلى حوافز مالية وفرص استثمار وتجارة مع الولايات المتحدة، لا سيما في قطاعي النفط والطاقة. من جانبها، أكدت الولايات المتحدة، على لسان مسؤولين أمريكيين، التزامها بالمسار الدبلوماسي، لكنها شددت في الوقت ذاته على أنها مستعدة لجميع الخيارات، بما في ذلك التصعيد العسكري إذا لزم الأمر، في إشارة إلى ‘الخطوط الحمراء’ التي حددها الرئيس الأمريكي جو بايدن والتي لم تكن طهران مستعدة للاعتراف بها أو معالجتها بعد.
تحمل هذه المفاوضات أهمية قصوى على الصعيدين الإقليمي والدولي. إقليمياً، يمكن أن يؤدي التوصل إلى اتفاق إلى تخفيف حدة التوترات في منطقة الشرق الأوسط، التي تشهد صراعات بالوكالة وتنافسات جيوسياسية حادة. قد يؤثر الاتفاق بشكل مباشر على علاقات إيران مع جيرانها، لا سيما المملكة العربية السعودية وإسرائيل، اللتين تراقبان عن كثب التطورات النووية الإيرانية وتعتبرانها تهديداً لأمنهما. أي تقدم نحو حل سلمي يمكن أن يفتح الباب أمام حوار إقليمي أوسع ويعزز الاستقرار، بينما فشل المفاوضات قد يدفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد وعدم اليقين.
دولياً، سيكون لأي اتفاق تأثير كبير على أسواق الطاقة العالمية، خاصة أسعار النفط، حيث أن عودة النفط الإيراني إلى الأسواق ستزيد من المعروض. كما أن الاتفاق سيعزز جهود منع الانتشار النووي على مستوى العالم، ويؤكد على فعالية الدبلوماسية كأداة لحل النزاعات المعقدة. بالنسبة لإيران، فإن رفع العقوبات سيمثل دفعة هائلة لاقتصادها المنهك، مما يسمح لها بالوصول إلى الأصول المجمدة واستئناف التجارة والاستثمار الدوليين، وهو ما سينعكس إيجاباً على حياة المواطنين الإيرانيين الذين عانوا طويلاً من تداعيات العقوبات.
على الرغم من التقدم المحدود والإيجابية التي أبداها الجانبان، لا تزال هناك خلافات جوهرية قائمة. فقد أشار مسؤول أمريكي إلى أن ‘الخلافات الجوهرية لا تزال قائمة رغم إحراز تقدم محدود’، متوقعاً أن تقدم طهران مقترحات أكثر تفصيلاً في الأسابيع المقبلة لتقريب وجهات النظر. كما أكد وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، الذي لعبت بلاده دوراً تاريخياً كوسيط، أن ‘هناك الكثير من العمل الذي لا يزال يتعين القيام به’. هذه التصريحات تعكس الطبيعة المعقدة للمفاوضات والحاجة إلى مزيد من المرونة والتنازلات من كلا الطرفين للوصول إلى اتفاق شامل ومستدام.
إن مسار المفاوضات الإيرانية النووية يظل محفوفاً بالتحديات، لكن المقترح الإيراني الأخير يمثل بصيص أمل جديد. إن قدرة الأطراف على تجاوز العقبات المتبقية والتوصل إلى تفاهم مشترك سيكون له تداعيات بعيدة المدى على الأمن الإقليمي والدولي، ويحدد مستقبل العلاقات بين إيران والقوى العالمية.


