أعلن الفاتيكان رسمياً عدم مشاركته في مبادرة «مجلس السلام» التي اقترحها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، مؤكداً أن معالجة الأزمات الدولية ينبغي أن تتم عبر القنوات الدبلوماسية للأمم المتحدة. جاء هذا الإعلان ليؤكد الموقف الثابت للكرسي الرسولي الداعم للمؤسسات الدولية كركيزة أساسية لتحقيق السلام والاستقرار العالميين.
وأوضح الكاردينال بيترو بارولين، أمين سر دولة الفاتيكان وأعلى مسؤول دبلوماسي في الكرسي الرسولي، أن «الكرسي الرسولي لن يشارك في مجلس السلام بسبب طبيعته الخاصة التي تختلف بوضوح عن طبيعة الدول الأخرى». وشدد بارولين على أن أحد أبرز الهواجس يتمثل في ضرورة اضطلاع الأمم المتحدة بدورها الأساسي في إدارة الأزمات على المستوى الدولي، مشيراً إلى أن أي مبادرة سلام يجب أن تتكامل مع الجهود الأممية ولا تحل محلها.
خلفية المبادرة وموقف الفاتيكان الدبلوماسي
تعود فكرة «مجلس السلام» إلى خطة طرحها ترمب في أكتوبر الماضي، وصفت حينها بأنها «غامضة» و«هشة»، وكانت تهدف في البداية إلى الإشراف المؤقت على إدارة قطاع غزة. لاحقاً، أعلن ترمب عن عزمه توسيع نطاق المجلس، الذي سيترأسه شخصياً، ليشمل معالجة نزاعات عالمية أخرى، مع تحديد موعد لأول اجتماع له في واشنطن لمناقشة ملف إعادة إعمار غزة.
يتمتع الفاتيكان بوضع فريد كدولة ذات سيادة ومركز روحي عالمي، وله تاريخ طويل في الدبلوماسية الدولية التي تركز على تعزيز السلام وحقوق الإنسان. لطالما كان البابا فرنسيس، أول بابا من الأمريكتين في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية الحديث، مدافعاً قوياً عن الحلول المتعددة الأطراف للأزمات العالمية، وشدد مراراً على أهمية احترام القانون الدولي ودور المنظمات مثل الأمم المتحدة. وقد تلقى البابا فرنسيس دعوة للانضمام إلى المجلس في يناير الماضي، لكن الفاتيكان، من خلال تصريحات مسؤوليه، أشار إلى تحفظاته على بعض سياسات ترمب السابقة، مما يعكس استقلالية سياسته الخارجية.
انتقادات دولية ومخاوف من تقويض دور الأمم المتحدة
أثار تشكيل هذا المجلس جدلاً واسعاً وانتقادات من عدة جهات. اعتبر عدد من خبراء حقوق الإنسان أن تولي رئيس دولة الإشراف على إدارة شأن إقليم أجنبي يذكر بالبنى الاستعمارية، وهو ما يتعارض مع مبادئ السيادة والتقرير المصير. كما تعرض المجلس لانتقادات لعدم ضم ممثلين فلسطينيين ضمن تشكيلته، مما يثير تساؤلات حول مدى فعاليته وعدالته في معالجة قضية بهذا التعقيد.
على الصعيد الدولي، أعلنت كل من إيطاليا والاتحاد الأوروبي عن عزمهما المشاركة بصفة مراقبين فقط، دون الانضمام الرسمي للمجلس، في خطوة تعكس حذراً دولياً من أي مبادرة قد تقوض دور الأمم المتحدة ومؤسساتها القائمة. وقد تعاملت عدة دول بحذر مع الدعوة الأمريكية، في ظل مخاوف من أن يؤدي المجلس إلى إضعاف الدور المحوري الذي تلعبه الأمم المتحدة في تسوية النزاعات الدولية.
الوضع في غزة وتداعيات الصراع
منذ التصعيد الأخير في أكتوبر الماضي، شهد قطاع غزة عمليات عسكرية متكررة أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، بالإضافة إلى مقتل جنود إسرائيليين. وقد تسببت هذه العمليات في أزمة إنسانية حادة ونزوح داخلي واسع النطاق شمل غالبية سكان القطاع. في ظل هذه الظروف المأساوية، تزداد الحاجة إلى جهود دولية منسقة وفعالة تحت مظلة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة الإنسانية والعمل على تحقيق حل دائم وعادل للصراع.
يؤكد موقف الفاتيكان على أهمية الالتزام بالمبادئ الدبلوماسية الراسخة والاعتماد على الأطر الدولية المعترف بها لمعالجة التحديات العالمية، بدلاً من إنشاء هياكل موازية قد تفتقر إلى الشرعية الدولية أو القدرة على تحقيق نتائج مستدامة.


