بدأ مفاوضون من أوكرانيا وروسيا، الأربعاء، يوماً ثانياً من المحادثات في جنيف، وسط أجواء توصف بالتوتر الشديد، في وقت انتقد فيه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ما اعتبره ضغوطاً غير مبررة من نظيره الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب المستمرة منذ أربعة أعوام. تُعقد هذه المحادثات الحساسة بوساطة أمريكية في سويسرا، بعدما ألمح ترامب خلال الأيام الماضية إلى أن نجاح العملية التفاوضية يعتمد على اتخاذ كييف خطوات ملموسة، داعياً أوكرانيا إلى «الحضور سريعاً إلى طاولة المفاوضات».
تأتي هذه الجولة من المفاوضات في جنيف في سياق صراع معقد وطويل الأمد بدأ في عام 2014. فبعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، اندلعت اشتباكات عنيفة في منطقة دونباس الشرقية بين القوات الأوكرانية وانفصاليين مدعومين من روسيا. وقد أدت هذه الأحداث إلى توقيع اتفاقيات مينسك للسلام، التي هدفت إلى وقف إطلاق النار وسحب الأسلحة الثقيلة وإجراء إصلاحات دستورية في أوكرانيا تمنح مناطق دونباس حكماً ذاتياً أكبر. إلا أن هذه الاتفاقيات لم تُنفذ بالكامل قط، واستمرت الاشتباكات المتقطعة، مما أدى إلى حالة من الجمود والصراع المستمر الذي أودى بحياة الآلاف وشرد الملايين. لطالما كانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي داعمين لسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها، وفرضوا عقوبات اقتصادية على روسيا بسبب دورها في النزاع.
في مقابلة مع موقع «أكسيوس» الأمريكي نُشرت الثلاثاء، قال زيلينسكي إنه «ليس من العدل» أن يواصل ترامب دعوة أوكرانيا علناً لتقديم تنازلات، دون توجيه الرسالة ذاتها إلى موسكو. وأكد الرئيس الأوكراني أن أي خطة سلام تتضمن تخلي بلاده عن أراضٍ لم تسيطر عليها روسيا في منطقة دونباس شرقي البلاد، سيتم رفضها من قبل الشعب الأوكراني إذا طُرحت في استفتاء عام، وأضاف: «آمل أن يكون ذلك مجرد تكتيك وليس قراراً نهائياً». ورغم انتقاداته، جدد زيلينسكي شكره لترامب على جهوده في الوساطة، مشيراً إلى أن محادثاته مع كبار المفاوضين الأمريكيين، المبعوث ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر، لم تتضمن «النوع ذاته من الضغوط».
إن أهمية هذه المفاوضات تتجاوز الحدود الأوكرانية الروسية لتشمل الأمن الإقليمي والدولي. فالصراع في دونباس يمثل نقطة توتر رئيسية في العلاقات بين روسيا والغرب، ويؤثر بشكل مباشر على استقرار أوروبا الشرقية. أي تقدم نحو حل سلمي يمكن أن يخفف من حدة التوترات الجيوسياسية ويفتح الباب أمام تعاون أوسع، بينما استمرار الجمود يهدد بتصعيد محتمل ويُبقي المنطقة في حالة عدم يقين. على الصعيد الاقتصادي، تؤثر العقوبات المفروضة على روسيا وتكاليف الحرب على كلا البلدين، وتعيق التنمية الاقتصادية في أوكرانيا. كما أن الأزمة الإنسانية، مع وجود ملايين النازحين داخلياً واللاجئين، تتطلب حلاً عاجلاً. الضغوط الأمريكية، وإن كانت تهدف إلى تسريع الحل، تضع كييف في موقف صعب، حيث تسعى للحفاظ على دعم حلفائها مع حماية مصالحها الوطنية ووحدة أراضيها.
من جانبه، أوضح كبير المفاوضين الأوكرانيين رستم عمروف، رئيس مجلس الأمن القومي والدفاع، أن جلسات الثلاثاء ركزت على «قضايا عملية وآليات القرارات المحتملة»، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية، مقللاً في الوقت ذاته من التوقعات بتحقيق اختراق كبير. في المقابل، لم يصدر تعليق رسمي من الجانب الروسي، غير أن وكالات أنباء روسية نقلت عن مصدر مطلع وصفه للمحادثات بأنها «متوترة للغاية»، واستمرت ست ساعات بصيغ ثنائية وثلاثية مختلفة. وفي خطابه المسائي، قال زيلينسكي إنه ينتظر تقريراً مفصلاً من فريقه المفاوض في جنيف، مؤكداً استعداد بلاده «للتحرك بسرعة نحو اتفاق يليق بإنهاء الحرب»، متسائلاً: «السؤال للروس هو: ماذا يريدون بالضبط؟»
وتأتي محادثات جنيف بعد جولتين سابقتين بوساطة أمريكية في أبوظبي، انتهتا دون تحقيق تقدم ملموس، في ظل تباعد مواقف الطرفين بشأن قضايا جوهرية، أبرزها السيطرة على الأراضي في شرق أوكرانيا. وفي وقت مبكر من الأربعاء، أعرب ويتكوف عن تفاؤله بإمكانية تحقيق تقدم، مشيداً بما وصفه بـ«نجاح ترامب في جمع طرفي النزاع»، ومؤكداً أن الجانبين اتفقا على إطلاع قيادتيهما ومواصلة العمل للتوصل إلى اتفاق يضع حداً للقتال.


