spot_img

ذات صلة

كوثر بن هنية ترفض جائزة برلين: احتجاج على تكريم عسكري إسرائيلي

في خطوة جريئة ومثيرة للجدل، رفضت المخرجة التونسية البارزة كوثر بن هنية استلام جائزتها من حفل توزيع جوائز مؤسسة «سينما من أجل السلام» (Cinema for Peace)، الذي أقيم في العاصمة الألمانية برلين. جاء هذا الرفض الصريح على هامش فعاليات مهرجان برلين السينمائي الدولي المرموق، وذلك اعتراضًا على تكريم شخصية عسكرية إسرائيلية سابقة في الأمسية ذاتها، وهو ما اعتبرته بن هنية محاولة غير مقبولة لتبييض الصراع وإحداث توازن زائف بين الضحية والجلاد.

تُعرف مؤسسة «سينما من أجل السلام» بأنها منظمة غير ربحية تأسست في عام 2002، وتهدف إلى تعزيز السلام والتفاهم الدولي من خلال قوة السينما، وتكريم الأفلام والشخصيات التي تسهم في هذه الأهداف. ويُعد حفلها السنوي جزءًا لا يتجزأ من الأجواء الثقافية والسياسية التي تحيط بمهرجان برلين السينمائي (البرليناله)، الذي لطالما كان منبرًا للأعمال الفنية ذات الرسائل الإنسانية والسياسية العميقة. وفي هذا السياق، فاز فيلم بن هنية «صوت هند رجب» بجائزة «أكثر فيلم قيمة» ضمن الحدث السنوي للمؤسسة، وهو تكريم يعكس الأهمية الفنية والإنسانية لعملها.

كوثر بن هنية ليست غريبة عن تناول القضايا الشائكة والمثيرة للجدل في أعمالها. فقد حظيت أفلامها السابقة، مثل «الرجل الذي باع ظهره» و«على كف عفريت»، بإشادة نقدية واسعة وترشيحات لجوائز عالمية، بما في ذلك الأوسكار. وتتميز بن هنية بأسلوبها السينمائي الذي يمزج بين الواقعية والدراما، ويغوص في أعماق النفس البشرية والظروف الاجتماعية والسياسية المعقدة. إن سجلها الحافل يؤكد أنها مخرجة ذات رؤية واضحة ومبدأ راسخ، وهو ما يفسر موقفها الحازم في برلين.

السبب المباشر لرفض بن هنية كان تكريم الجنرال الإسرائيلي السابق نوعام تيبون. وقد عُرضت قصة تيبون في الفيلم الوثائقي الكندي «الطريق بيننا»، الذي تناول دوره خلال أحداث السابع من أكتوبر 2023، حيث قام بإنقاذ عائلته وأفراد من مجتمعه في جنوب إسرائيل. وبينما يُنظر إلى أفعاله من منظور معين على أنها بطولة شخصية، رأت بن هنية أن تكريمه في سياق مؤسسة تدعو للسلام، وفي ظل الحرب المستمرة في غزة، يمثل محاولة لتجاهل السياق الأوسع للصراع وتداعياته الإنسانية الكارثية، وخلق سردية زائفة للمساواة بين الأطراف.

في كلمتها المؤثرة، أعلنت بن هنية أنها لن تأخذ الجائزة معها، بل ستتركها على المنصة «تذكيرًا بضرورة تحقيق العدالة والمساءلة». وأكدت أنها ستعود لتسلمها بفرح عندما يصبح السلام «التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا قائمًا على محاسبة المسؤولين عن الجرائم». هذا التصريح يعكس إيمانها بأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون معالجة جذور الظلم ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وأن أي محاولة لتجاوز هذه المبادئ هي مجرد تجميل للواقع. وأشارت إلى شعورها بالمسؤولية أكثر من الامتنان، مؤكدة بأن فيلمها «صوت هند رجب» لا يروي قصة طفلة واحدة فحسب، بل يسلط الضوء على «منظومة كاملة جعلت مقتلها ممكنًا».

فيلم «صوت هند رجب» هو عمل وثائقي درامي مؤثر يوثق اللحظات الأخيرة للطفلة الفلسطينية هند رجب، التي استشهدت في قطاع غزة في 29 يناير 2024. يعتمد الفيلم على تسجيلات حقيقية لمكالمات طوارئ، أعيد تجسيدها دراميًا، تروي قصة هند البالغة من العمر ست سنوات، والتي وجدت نفسها محاصرة داخل سيارة مع أفراد من عائلتها بعد تعرضهم لإطلاق نار، بينما كانوا يحاولون الوصول إلى مكان آمن. وتكشف التسجيلات عن محاولات يائسة لإنقاذها، ومناشداتها للمسعفين الذين استشهدوا لاحقًا أثناء محاولتهم الوصول إليها. هذه القصة المأساوية أثارت تعاطفًا عالميًا واسعًا، وأصبحت رمزًا لمعاناة الأطفال الأبرياء في غزة. وقد رُشح الفيلم لنيل جائزة أوسكار في فئة أفضل فيلم وثائقي طويل، مما يضعه في دائرة الضوء العالمية ويزيد من تأثير رسالته.

موقف كوثر بن هنية يمثل امتدادًا لتقليد طويل من النشاط الفني الذي يستخدم المنصات الثقافية للتعبير عن المواقف السياسية والإنسانية. فالفنانون، بحكم تأثيرهم وقدرتهم على مخاطبة الوجدان، غالبًا ما يكونون في طليعة من يتحدون السرديات السائدة ويطالبون بالعدالة. إن رفضها للجائزة ليس مجرد لفتة شخصية، بل هو دعوة قوية للمؤسسات الثقافية لإعادة تقييم معاييرها الأخلاقية، وللسينما لتظل أداة للتعبير عن الحقيقة والعدالة، لا وسيلة لتبييض الصورة أو التغطية على الانتهاكات. هذا الموقف يعزز دور الفن كمرآة للمجتمع وضمير حي يرفض الصمت أمام الظلم.

spot_imgspot_img